Arab
تبقى معيشة الأتراك، المرتبطة بالتضخم الذي ارتفع الشهر الماضي ليسجل 31.53%، المؤشر الأبرز على تأثر الداخل التركي بالحرب. ويضاف إلى ذلك عدد من المؤشرات الأخرى، أبرزها سعر صرف الليرة التي سجلت اليوم 44.5 مقابل الدولار، وذلك رغم تطمينات المسؤولين والخطابات التي تُطرح أحياناً لأغراض تتجاوز البعد الاقتصادي.
وتتباين تصريحات المسؤولين حول الاقتصاد التركي تبعاً لحجم تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية وتأثيرها على إيران. وعلى الرغم من تجاهلهم في تصريحاتهم حجم التبادل التجاري مع إيران، الذي تجاوز 8 مليارات دولار، وتأثير توقف استيراد الطاقة وبعض المواد من دولة مجاورة تربطها بتركيا حدود تتجاوز 560 كلم، لا يزال الاعتراف بحجم الحرب وأثرها عاماً وتقديرياً، ما قد ينعكس سلباً على ثقة المستهلكين والمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب.
وفي هذا السياق، قال نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ، إن آثار الحرب ستستمر لفترة طويلة، مشيراً إلى أن تركيا ستواجه بيئة جديدة بعد الحرب. ودعا، خلال الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة العادية للرابطة الدولية للمستثمرين (YASED)، إلى الاستعداد لمرحلة جديدة في السياسات الاقتصادية، مؤكداً أن "نهاية الحرب لا تعني زوال آثارها فوراً".
من جهته، أكد وزير المالية والخزانة، محمد شيمشك، قدرة تركيا على الصمود في مواجهة الصدمات الاقتصادية الناتجة عن الصراع مع إيران. وخلال عرض قدمه للمستثمرين في لندن، شدد على أن بلاده، رغم استيرادها نحو 95% من احتياجاتها من الطاقة (النفط والغاز)، قادرة على تأمين الإمدادات، مؤكداً أن أمن الطاقة ليس في خطر. وأضاف أنه في حال استقرار سعر خام برنت عند 85 دولاراً للبرميل، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة التضخم بما بين 3.6 و4.4 نقاط مئوية، ورفع عجز الحساب الجاري بنسبة تراوح بين 1.1 و1.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح شيمشك أن انخفاض الدين العام إلى 23.8% من الناتج المحلي، إلى جانب قوة القطاع المصرفي، وارتفاع الاحتياطيات، وتراجع الحاجة إلى التمويل الخارجي، كلها عوامل تعزز قدرة الاقتصاد التركي على مواجهة الصدمات. كما دعا المستثمرين إلى الاستثمار في تركيا، التي تشهد تحولاً في مؤشراتها نتيجة برنامج الإصلاح متوسط المدى الممتد حتى عام 2028.
بدوره، أشار يلماظ إلى أن تركيا تستهدف رفع حصتها من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 1.5% عالمياً بحلول عام 2028، كاشفاً عن قرب إطلاق استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر الدولية التي تركز على الرقمنة والاستدامة. كما أُعلِنَ اجتماعٌ مرتقب لـ"مجلس استشاري للاستثمار" في سبتمبر/أيلول المقبل، يجمع الرئيس رجب طيب أردوغان مع رؤساء كبرى الشركات الدولية لمناقشة بيئة الأعمال.
في المقابل، يرى الاقتصادي التركي أوزجان أويصال أنه لا يوجد تضارب في تصريحات المسؤولين، بل اختلاف في أسلوب الطرح تبعاً للجمهور المستهدف. وأوضح في حديث خاص مع "العربي الجديد" أن وزير المالية يخاطب المستثمرين الدوليين، ومن الطبيعي أن يركز على الجوانب الإيجابية، معتبراً أن هناك قدراً من الشفافية، خاصة في ما يتعلق بالاحتياطيات الأجنبية وبيع الذهب. أما على مستوى المستهلك، فيؤكد أويصال أن آثار الحرب تتزايد مع استمرارها، مشيراً إلى أن الارتفاع المتكرر في أسعار المحروقات يعد العامل الأبرز في زيادة أسعار السلع اليومية، من الخبز إلى الفواتير المنزلية وأجور النقل. وكشف أن تكاليف المعيشة للأسرة ارتفعت بنحو 10 آلاف ليرة خلال عام، مع تسجيل زيادات إضافية خلال الشهر الماضي وفق بيانات اتحاد العمال.
وكان اتحاد العمال الأتراك (Türk-İş) قد أعلن ارتفاع معدل التضخم الغذائي في أنقرة بنسبة 1.32% خلال مارس/آذار، حيث بلغ حد الجوع 32,792 ليرة تركية، مقارنة بـ23,615 ليرة في مارس/آذار 2025. كما ارتفع خط الفقر، الذي يشمل الغذاء والملابس والسكن والنقل والتعليم والصحة، إلى 106,816.70 ليرة شهرياً، في حين بلغت تكلفة المعيشة للعامل الواحد 42,585.17 ليرة. وفي إسطنبول، أظهر تقرير غرفة التجارة (ITO) ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 2.97% على أساس شهري في مارس/آذار 2026، وبنسبة 37.68% على أساس سنوي. كما سجلت أسعار الجملة زيادة بنسبة 1.54% في مارس/آذار، ليبلغ معدل التغير السنوي 18.92%. وشملت الزيادات قطاعات الغذاء (3.65%)، والوقود والطاقة (2.80%)، ومواد البناء (1.91%)، والمعادن (0.73%)، مقابل انخفاض في المواد غير المصنعة (-0.13%) والمواد الكيميائية (-6.90%)، من دون تغيير في قطاع المنسوجات.
الخبز... المؤشر الأكثر التصاقاً بيوميات الأتراك
بالتزامن، أثّرت تكاليف إنتاج الخبز وارتفاع أسعار الطاقة، أولاً، في أسعار المنتجات، ولا سيما الغذائية اليومية. وقد رفعت تركيا، اليوم، بعد زيادة أسعار المحروقات أربع مرات خلال شهر واحد، سعر ربطة الخبز بوزن 200 غرام من 15 إلى 17.5 ليرة تركية، وذلك رغم تصريحات رئيس اتحاد خبازي تركيا، خليل إبراهيم بلجي، خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعدم رفع أسعار الخبز حتى شهر أغسطس/آب من العام الجاري، على الرغم من ارتفاع أسعار الدقيق آنذاك.
لكن بلجي أعلن اليوم زيادة في أسعار الخبز، مؤكداً أنه "ابتداءً من اليوم، بدأت أسعار الخبز بالتغيّر في العديد من مدننا، وقد اضطررنا إلى رفع سعر رغيف الخبز الذي يزن 200 غرام إلى 17.5 ليرة تركية". ويبرّر رئيس اتحاد خبازي تركيا، في بيان، هذه الزيادة بأن "الزيادات غير المتوقعة في تكاليف المدخلات وضعت أعمال المخابز في وضع صعب، لذا، اعتباراً من اليوم، بدأت الأسعار في التحديث، واضطررنا إلى تحديد سعر رغيف الخبز الذي يزن 200 غرام عند 17.5 ليرة".
ورغم أن الاختلافات الإقليمية تؤخذ في الاعتبار عادةً عند رفع أسعار الخبز، بحيث تُطبّق الزيادات تدريجياً وفق هياكل التكلفة المحلية في المحافظات، ولا سيما في المدن الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول وإزمير، جاء رفع الأسعار اليوم شاملاً جميع الولايات التركية الواحدة والثمانين. ويُذكر أن قانون الأفران الجديد يمنع رفع الأسعار بشكل مستقل، إذ يتطلب أي تعديل في التسعيرة الحصول على موافقة صريحة من وزارة التجارة بعد تحليل شامل للتكاليف، فيما تصل غرامة مخالفة التسعيرة الرسمية إلى أكثر من 159 ألف ليرة تركية.
وعانت تركيا، العام الماضي، تراجُعَ إنتاج القمح بنحو 6% ليبلغ نحو 18 مليون طن، نتيجة الجفاف، ما دفع حكومة "العدالة والتنمية" إلى زيادة دعم الإنتاج الزراعي عام 2026 بنسبة تصل إلى 27% مقارنة بالعام السابق، ليبلغ الدعم 310 ليرات لكل دونم مزروع، إلى جانب دعم إضافي لفئات معينة، إذ تحصل النساء الريفيات والمزارعون الشباب على معاملات دعم أعلى، في إطار تشجيع مشاركة الفئات المهمشة في التنمية الزراعية.
وقال نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ: "شهدنا العام الماضي صقيعاً وجفافاً، وكان عام 2025 سيئاً للغاية بالنسبة لنا، حيث انخفض الإنتاج الزراعي بنحو 8%. لكن هذا العام، الأمطار جيدة، ونأمل ألا نواجه أي أحداث سلبية. نعتقد أنه سيكون عاماً جيداً، وهذا يبشر بالخير أيضاً في ما يتعلق بأسعار المواد الغذائية". وأضاف يلماظ، في تصريح للصحافيين اليوم قبل اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية: "لقد منعنا تصدير الأسمدة، ولا داعي للقلق في هذا الشأن.
وأكد أنه سيكون لدى تركيا عام زراعي جيد، وسنرى انعكاس ذلك بشكل أكبر على أسعار المواد الغذائية، خاصة خلال فصل الصيف. مع ذلك، وللأسف، لا يخلو الأمر من الانتهازية؛ فرغم أن الإجراءات الحالية لا تؤثر على التكاليف، فإن هناك ميولاً في بعض القطاعات إلى رفع الأسعار، ونحن نراقب هذه الميول من خلال عمليات التفتيش، ولا مجال للاحتكار". وختم بالقول إن تركيا "واحة استقرار. صحيح أننا محاطون بحزام ناري، لكن تركيا واحة استقرار. الوضع الذي ذكرتموه غير موجود في تركيا. تركيا بلد آمن، وهي تواصل مسيرتها بخطوات واثقة".

Related News
حرب إيران تدفع الناخبين الإسرائيليين نحو اليمين
aawsat
2 minutes ago
إيران: تصريحات ترمب عن طلب وقف إطلاق النار «كاذبة»
aawsat
2 minutes ago
نوع من الصابون يزيد من مقاومة المضادات الحيوية
aawsat
4 minutes ago