Arab
رغم التصعيد العسكري المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تُظهر عملات دول الخليج تماسكاً ملحوظاً، رغم التقلبات في الأسواق العالمية، وهو ما يعزوه الخبراء إلى ربط هذه العملات بالدولار، إضافة إلى قوة الاحتياطيات النقدية الضخمة لدول مجلس التعاون.
ويقيّم خبراء في مؤسسات اقتصادية غربية أداء عملات الريال السعودي والدرهم الإماراتي والدينار الكويتي والريال القطري والعماني والبحريني على أنه صمود قوي خلال الأسبوعين الأخيرين، إذ لم تشهد تلك العملات انخفاضات حادة مقارنة بعملات الأسواق الناشئة الأخرى التي تراجعت بنحو 5% منذ بداية النزاع، حسب تقرير نشرته "بلومبيرغ" في 25 مارس/آذار الماضي.
ويُفسَّر هذا الاستقرار بعدة عوامل، في مقدمتها ربط العملات الخليجية بالدولار، ما يحميها من تقلبات أسعار الصرف، إلى جانب احتياطيات النقد الأجنبي التي تصل إلى تريليونات الدولارات لدى دول مجلس التعاون، ما يعزز قدرتها على الدفاع عن هذا الربط، وفق محللين.
كذلك أسهمت السياسات النقدية المشددة التي تتبعها بنوك مركزية، في الحفاظ على ثقة الأسواق، رغم ارتفاع أسعار النفط الذي يعزز الإيرادات، لكنه في الوقت نفسه يرفع مخاطر التضخم، بحسب التحليل ذاته.
وفي المقابل، لا يعكس هذا الاستقرار قوة مطلقة للاقتصادات الخليجية، إذ تواجه ضغوطاً ناتجة من تعطّل بعض الصادرات وارتفاع تكاليف الدفاع، في وقت سجلت فيه الأسواق المالية الخليجية تراجعات طفيفة مقارنة بحالات الانهيار التي شهدتها بعض الأسواق الآسيوية.
ومع ذلك، يرى خبراء في مؤسسة "المجلس الأطلسي" البحثية أن الصناديق السيادية والمخزونات المالية توفر مرونة كبيرة، تعزز قدرة دول الخليج على الصمود أمام الاضطرابات الجيوسياسية، مشيرين إلى أن هذا التماسك لا يعني غياب المخاطر، بل يعكس فعالية الاستراتيجيات النقدية في احتواء آثار التصعيد، وفق تقرير نشره الموقع في 24 مارس/ آذار الماضي.
وفي حال استمرار الحرب أو تصاعدها، تتوقع "بلومبيرغ" تعرّض العملات الخليجية لضغوط متزايدة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل وتعطل الشحنات، إلا أن فك الارتباط بالدولار يظل غير مرجح في ظل قوة الاحتياطيات والدعم المتبادل بين دول الخليج.
ويشير التقرير إلى أن صندوق النقد الدولي يدرس سيناريوهات لدعم الدول المتضررة من الحرب، ما يعكس ثقة الأسواق بالاقتصادات الخليجية، ويعزز الآفاق المستقبلية للعملات، بشرط السيطرة على التضخم والحفاظ على ربطها بالدولار.
غياب التقلبات الحادة
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن ارتباط عملات دول الخليج بالدولار منحها استقراراً واضحاً، وحدّ من التقلبات الحادة صعوداً وهبوطاً، على عكس ما تشهده عملات عالمية أخرى مثل الدولار الكندي أو الين الياباني.
ويوضح درويش أن قوة هذه العملات ترتبط بعاملين رئيسيين: سعر صرف الدولار عالمياً، وأسعار النفط، ما يجعل السياسات النقدية في دول الخليج ذات طابع "استيعابي" يترقب مآلات الحرب.
غير أنه يحذر من مخاطر مستقبلية محتملة في حال استمرار الحرب أو تصاعدها، خصوصاً إذا تعرّض الدولار نفسه لضغوط خارجية، وهو سيناريو يظل مرتبطاً بتطورات المشهد الجيوسياسي.
ويضيف أن ارتفاع أسعار النفط ساهم في تعزيز استقرار العملات الخليجية ومنع حدوث تقلبات حادة، مؤكداً أن مسار الأسواق سيظل رهناً بنتائج الحرب وتأثيراتها، رغم استمرار الارتباط الوثيق بالدولار.
ويخلص إلى أن التوقعات الاقتصادية لا تزال مرهونة بتطورات الصراع، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى فرص إيجابية لدول الخليج، مدعومة بارتفاع أسعار النفط، ما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات المقبلة.
قوة الملاءة المالية
في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد رمضان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن ربط معظم عملات دول مجلس التعاون بالدولار يجعلها أقل عرضة للتقلبات المباشرة، خصوصاً أن صادرات النفط تُسعّر بالعملة الأميركية.
ويشير إلى أن الكويت تمثل استثناءً نسبياً، إذ تربط عملتها بسلة من العملات بدلاً من الدولار فقط، بهدف الحد من استيراد التضخم وحماية القوة الشرائية للدينار.
ويؤكد رمضان أن هذه العملات تعكس قوة الملاءة المالية لدول الخليج، وقدرتها على مواجهة الأزمات بفضل احتياطياتها الضخمة، لافتاً إلى أن الدينار الكويتي حافظ على قيمته حتى في فترات استثنائية، مثل فترة الغزو العراقي، وظل من أقوى العملات عالمياً.
ويوضح أن محدودية التداول العالمي للعملات الخليجية تسهم في تقليل تأثرها بالتقلبات الدولية، إذ يتركز استخدامها داخل اقتصادات المنطقة أو في التحويلات المالية، فيما تعتمد التجارة الخارجية أساساً على الدولار والعملات الرئيسية.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، بما في ذلك أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز، يرى رمضان أن العملات الخليجية تظل محمية نسبياً وقادرة على الصمود أمام الضغوط المؤقتة، مؤكداً أن هذه الأزمات، رغم حدتها، تبقى ظرفية، وأن دول الخليج تمتلك أدوات مرنة لإدارة الأزمات والحفاظ على الاستقرار النقدي.
