حرب ترامب الحقيقية والمتخيَّلة وتداعياتها
Arab
1 hour ago
share
يبيّن التاريخ أن شنّ حرب قد يكون أسهل بكثير من إنهائها؛ فقادةٌ كثيرون شنوا حروباً اعتقاداً منهم أنهم سيحقّقون النصر بسرعة. وكان هذا الاعتقاد يستند، في أحيانٍ كثيرة، إلى إيمان غير مبرّر بتفوّق قواتهم العسكرية، أو على الأقل بقوتها النسبية، وبالموارد المتوفرة لهم والدعم الشعبي الذي يتمتعون به، أو بعبارة أخرى، إلى جهلهم بقدرات خصومهم. بمرور الوقت، يستوعبون الميزان الحقيقي للقوى، ومحدودية قواتهم، فتُفسح الاندفاعة الاستثنائية نحو الحرب المجال أمام الدبلوماسية، والمفاوضات والتسويات، لكن غالباً بعد خضوع المدنيين لمعاناة مروّعة. وتفيد الأدلة المتوفرة من الحرب الإيرانية بأن الولايات المتحدة لم تتعلّم من دروس التاريخ. شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل، في أواخر فبراير/ شباط، هجوماً غير مبرّر على إيران، البلد الذي كان الرئيس دونالد ترامب قد أعلن أن برنامجه النووي "أُبيد كلياً" قبل أشهر فقط. بعد بضعة أيام من بداية الحرب، دعا إلى استسلام إيران من دون شروط. وبعد أسبوع، أعلن أن الولايات المتحدة قد انتصرت. وبعد وقت قصير، قال إنه جرى القضاء على القيادة الإيرانية وأن القوات الجوية والبحرية ومنصات إطلاق الصواريخ كانت قد دُمرت (ليس مهمّاً بالطبع أن إيران لم تكن تمتلك أصلاً قوة جوية مهمة منذ نهاية حكم الشاه). وعاد مصطلح "الإبادة الكلية" بصفته هدفاً تحقق أخيراً بشكل ما في ما يتعلق بالجيش الإيراني. بعد شهر على بداية الحرب، قيل إن إيران تتوسّل التوصل إلى اتفاق من شأنه أن ينهي الحرب. وادّعى ترامب وجود "مفاوضات قوية جداً جداً" تجري مع مفاوضين إيرانيين. يبدو أن جزءاً كبيراً من هذه المجريات حدث بشكل رئيسي في عقل الرئيس الأميركي. وكان النصر الأميركي والاستسلام الإيراني أمرين متخيّلين. وكذلك كانت المفاوضات المفترضة. انتشر رسم كاريكاتوري على نطاق واسع يُظهر معالجاً نفسياً يسأل ترامب، المستلقي على أريكة، عن المفاوضين الإيرانيين الذين قال إنه كان يتحدّث إليهم: "هل هم في الغرفة معنا الآن؟" علت الضحكات حيال جنون كهذا، لكن الدمار والمعاناة الإنسانية في الشرق الأوسط حقيقيان وملموسان. باتت إيران تدرك قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يمكن أن تفعله عند الضرورة قد يكون ترامب استيقظ الآن على حقيقة أنه مهما كانت الأضرار التي ألحقتها الولايات المتحدة وإسرائيل بإيران (كانت الأضرار كبيرة وذات تداعيات طويلة الأمد) فإن إيران لم تُهزم، ولم تستسلم، وأنها تستطيع في الواقع امتصاص الهجمات والرد عليها. في مواجهة ما يشير إليه النظام الإيراني بأنه المعركة الأخيرة من أجل بقاء الجمهورية الإسلامية، فإنه نفذ تهديده بتوسيع نطاق القتال ليشمل الخليج وإغلاق مضيق هُرمز. دول الخليج العربية تتألم، والاقتصاد العالمي يترنح. ويشير المعلقون الغربيون في الولايات المتحدة، وأوروبا وإسرائيل على نحو متزايد إلى أن الأمور تسير لصالح إيران، وأن ترامب وجد نفسه في الفخ الذي نصبه. ارتكب ترامب منذ لحظة دخوله الحرب أخطاء فادحة؛ فقد قلّل من شأن صمود الإيرانيين الذي عززه فخرٌ ببلادهم يفوق كراهية الكثير منهم للنظام. كما قلل أيضاً من شأن مدى عمق النظام وتجذّره منذ الثورة، أو أنه ببساطة لم يكن يعرف ذلك؛ إذ كان النظام قد وسَّع نفوذه من خلال الأجهزة الأمنية، والمؤسسات الحاكمة والاقتصاد، حتى مع تنامي قمعه وعدم شعبيته على نحو متزايد. من الواضح أن البنية القيادية في إيران تشبه الغربال؛ إذ يمكن أن يُقتلَ القادة، لكنهم يُستبدلون بسهولة بشخصيات متمكنة، وفي بعض الأحيان أكثر راديكالية، من الصفوف الثانية والثالثة في القيادة. الأمر اللافت أن المواقف تصلبت مع وصول القادمين الجدد إلى قمة السلطة. إذا كانت إيران قد أبدت استعدادها للتسوية في أي وقت كوسيلة للحدّ من الأضرار، فإنها باتت الآن عازمة على الانتقام، والحصول على تعويضات واستعادة الردع بصفته الضمان الوحيد لعدم تعرضها للهجوم مرة أخرى. في حين أن ترامب مسؤول بالكامل عن قراره بأخذ الولايات المتحدة إلى الحرب، فإن انجراره خلف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي أقنعه بشنها، يمثل خطأ ثالثاً. فبينما تتلاقى أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن التهديدات التي تتصوران أن إيران تمثلها، فإن تلك الأهداف قد تختلف في ما يتعلق بالنهاية التي تريد كل منهما الوصول إليها. ترامب شخص يفخر بمهاراته في عقد الصفقات، ويرى في استعمال القوة أداة تمكّنه من التوصل إلى صفقة. على النقيض من هذا، أوضح نتنياهو بجلاء أنه يسعى إلى إزالة إيران بصفتها تهديداً بعيد المدى لإسرائيل. لا ينسجم تصميم رئيس الوزراء الإسرائيلي على تغيير النظام في طهران مع تفضيل ترامب المعلن للتفاوض مع نظام ضعيف يستطيع أن يفرض شروطه عليه. من غير المرجّح أن يمثل انهيار النظام في إيران مصلحة أميركية، بالنظر إلى مخاطر إطالة أمد عدم الاستقرار في الخليج؛ في حين يمكن أن يكون ذلك بالنسبة لإسرائيل بديلاً مقبولاً حتى لبقاء نظام ضعيف في السلطة، استناداً إلى افتراض مفاده أن دولة فاشلة تعمّها الفوضى تشكل تهديداً أقل. أثر القتال على الاقتصاد العالمي، ومن ثم على الولايات المتحدة، سيستمر، إن لم يتفاقم. وهذه تبعات اختيار شن حرب من دون سبب واضح إذاً، ماذا بعد؟ إذا نجت الجمهورية الإسلامية من الحرب، من المرجّح أن تصبح أكثر تصميماً من أي وقت مضى على السعي لامتلاك سلاح نووي بصفته الشكل الأفضل للردع ضد المزيد من الهجمات. كما أنها باتت تدرك قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يمكن أن تفعله عند الضرورة. هذه القدرة المستجدة على المساومة تعني أنه قد يتعين على ترامب أن يقبل بأقل مما كان يأمل، الأمر الذي لا يبشّر بخير بالنسبة لمحاولات إنهاء الحرب، مع تطلُّع واشنطن إلى احتمالات التصعيد في محاولة لتحسين موقعها التفاوضي. وهذا مسارٌ خطرٌ يمكن أن يؤدّي إلى غرق الولايات المتحدة في وحول حرب طويلة في الشرق الأوسط. المقاربة الأفضل أن يتبنّى ترامب سردية انتصار يشعر أنه يستطيع أن يبيعها للجمهور الأميركي، الذي لا يدعم هذه الحرب عموماً، وأن يعمل مع جهاتٍ إقليمية للتوصل إلى وقف إطلاق نار متبادل مع طهران. كما يمكن لذلك أن يخدم مصالحه السياسية؛ فإذا توقف القتال، وانخفضت أسعار الوقود، قد يتجاوز الجمهور الأميركي الحرب على نحو يجعل هذه المغامرة الفاشلة قضية ثانوية نسبياً بالنسبة للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الأول المقبل. الأمر الأكثر ترجيحاً استمرار الحرب، واستمرار معاناة الناس في المنطقة كلها. يزداد الوضع خطورة كل يوم، حيث دخل الحوثيون في اليمن الحرب إلى جانب إيران وباتوا يهدّدون التجارة التي تمر في البحر الأحمر، واستدعت الولايات المتحدة قوات جديدة يبدو أنها ستستخدم في عمليات برّية. ليس من الواضح كيف يرى ترامب هذه النهاية. لكن في هذه الأثناء، وطالما استمر القتال، فإن أثره على الاقتصاد العالمي، ومن ثم على الولايات المتحدة سيستمر، إن لم يتفاقم. هذه تبعات اختيار شن حرب من دون سبب واضح، وعدم التعلّم من الدروس التي يزخر بها التاريخ.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows