Arab
مرت الذكرى الخامسة عشرة لثورة الحرية والكرامة، الثانية بعد إسقاط النظام البائد، فاترة؛ لم تهتم السلطة السورية الجديدة بإحيائها عبر تنظيم احتفالات خاصة بها ورعايتها، أسوة بما فعلته في ذكرى اسقاط النظام المسمّى يوم النصر، وهو أمر مفهوم في ضوء إدارة الظهر التي اعتمدتها لهذا الحدث العظيم، والتي تجلت بأكثر من موقف ومؤشر؛ من تصريح الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، أنه ليس امتداداً للربيع العربي؛ ودعوته المبكرة إلى الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، مروراً بتصفير المشهد السياسي بحل الأحزاب والمنظمات السياسية والمدنية، بما في ذلك التي عارضت النظام البائد، وتلك التي تشكلت من أجل الحشد لخدمة الثورة، واستبدال علم الثورة بالهوية البصرية، عقاب راية خالد بن الوليد في حروبه ضد الروم والفرس، ووصف الإذاعة السورية خلال تغطيتها خبر انطلاق قناة الإخبارية السورية يوم 8/12/2024 بـ "يوم انطلاق الثورة السورية"، وتراجع اهتمام جمهور الثورة بالمناسبة، نتيجة الصدمة التي أحدثتها السلطة السورية الجديدة بتوجهاتها وخياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تنسجم مع أهداف الثورة وتطلعات جماهيرها؛ وخيانة قيادة "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" الثورة وأهدافها بقبولها حل "الائتلاف" ومؤسّساته، الحكومة المؤقتة ومجالس المدن، والتضحية بورقة هامة، الشرعية الدولية التي منحت له باعتباره ممثلا للمعارضة وقرار مجلس الأمن 2254 الذي كرّسه شريكا في الحل السياسي، في التأثير على قرارات السلطة وخياراتها والعمل على دفعها إلى تبنّي أهداف الثورة وشعاراتها إن لم يكن كلها فبعضها؛ وسعي سياسيين ومثقفين من المعارضة إلى تحقيق مكاسب شخصية عبر الالتحاق بالسلطة السورية الجديدة، والدخول في زمرة المطبّلين لها.
لا يشكّل ما ذُكر أعلاه السبب الجوهري للإحباط الذي يعيشه جمهور الثورة السورية العظيمة؛ إنها أعراض لمسار طويل من الصراع على سورية انفجر مع انطلاق ثورة الحرية والكرامة. تصاعد الصراع بعد انكسارها عام 2012، وفق قراءة كاتب هذه السطور، (قراءة مبكرة تلمست حصول الانكسار في مقالتي: الثورة السورية على مفترق طرق، المستقبل اللبنانية:27/5/2012)، انكسار نجمَ عن اجتماع جملة عوامل: أولها فشل القوى الشعبية التي فجرت الثورة في التشبيك فيما بينها وتشكيل غرفة عمليات مشتركة تنسق الجهود وتتبادل الخبرات والإمكانات، لذا بقيت جزراً منفصلة تتضامن بالشعارات "يا درعا حنا معاك للموت"، الشعار الذي تكرّر مع محافظات عديدة، انتهت بالاستسلام للتعبيرات السياسية التي شكلتها قوى حزبية وسياسية للتحدث باسم الثورة عبر عنه شعار أحد الجُمع "المجلس الوطني يمثلني". وقد بادرت قوى شبابية وحزبية بقرار ذاتي إلى تشكيل شبكات لتنسيق فعاليات الثورة وتنظيمها، "لجان التنسيق المحلية"، "اتحاد تنسيقيات الثورة"، "اللقاء الوطني"، "تنسيقية شباب الكرد" .. إلخ. على أمل تشكيل رافعة قوية ومتماسكة قادرة على إدارة الفعاليات الشعبية بتأطيرها وتطويرها، لكنها لم تنجح في إنقاذ الموقف لأنها، على أهميتها؛ وأهمية الدور الميداني الذي لعبته، ودفع صباياها وشبانها ثمنه جهدا ودما، وقعت في فخ التنافس السلبي نجم عنه تقسيم حواضن الثورة على خلفية الارتباط بهذه المنظمة أو تلك، من جهة، وبروز نزعات استحواذية لدى بعضها، بالادعاء أنها أم الولد، من جهة ثانية. وقد رعى كاتب هذه السطور لقاءات بين "لجان التنسيق المحلية" و"اللقاء الوطني"، على أمل الاتفاق على التعاون والتنسيق لم تسفر عن نتيجة، لأن ممثلي "اللقاء" دفعوا الحوار نحو محاولة استتباع "اللجان" بما في ذلك المطالبة بتسليم "اللجان" المساعدات والدعم الذي تحصل عليه لهم لاستخدامه وتوزيعه منهم بذريعة تمثيلهم نسبة عالية من أبناء الثورة، قال أولهم 40% خفضها ثانيهم إلى 25%. وسعي الأحزاب التقليدية إلى احتواء التنسيقيات وتجيير نضالها في دعايتها الحزبية ما حوّل التنافس بينها إلى صراع. من جهة ثالثة. زاد انقسام "التجمع الوطني الديمقراطي" على خلفية الخلاف على أسس تشكيل تحالف قوى وطنية لدعم الثورة ومعاييره، توزعت أحزابه بين "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" و"هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي"؛ الطين بلة بإشاعة الخلافات وتبريرها بدخول الطرفين في سجال حول من الأقرب إلى الثورة والمعبر عن تطلعاتها.
انتهت الثورة ثورة شعبية، بعد تحوّل سورية إلى ساحة لصراع جيوسياسي، خاضته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة دول عربية وإقليمية ودولية ومنظمات جهادية وافدة
وشكّلت هجرة كوادر أحزاب المعارضة ونخبة مثقفيها ثاني العوامل التي قادت إلى انكسار الثورة، هجرة هدفها طلب الأمان الشخصي والأسري. من ذلك، تحوّلت باريس إلى عاصمة لحزب الشعب الديمقراطي، ما أشعر القوى الشعبية المنخرطة بالثورة بأنها تُركت وحدها. وكان تشكيل فصائل مسلحة بخلفيات عقائدية متباينة، أغلبها خلفيته إسلامية، سلفية وإخوانية، لقتال قوات النظام وداعميه من الروس والإيرانيين والميليشيات الشيعية التي جلبتها إيران من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان للقتال إلى جانب النظام تحت إشراف ضباط فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وكوادره.
العامل الثالث، حيث قاد توالد الفصائل وحصولها على تسليح وتمويل خارجي من جهات رسمية، دول، وغير رسمية، منظمات وأحزاب وشخصيات اجتماعية عربية، وتحقيقها مكاسب ميدانية إلى تعصب كل فصيل لذاته وللجهة التي تسلّحه وتمولّه، ما أفقد المعركة وحدتها العملياتية واللوجستية وحوّل الأرض السورية إلى مناطق تحكمها سلطات أمر واقع تحرس حدودها وتستثمر خيراتها وعوائدها.
وكان توسع انخراط الدول العربية والإقليمية والدولية في الصراع عبر تمويل الفصائل المسلحة وتسليحها من أجل توجيه الصراع والتحكم بمساراته وضمان النتائج التي ستترتب على حسمه بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لأنها لم تأت لنصرة القوى الشعبية في ثورتها ضد التمييز والقهر، بل من أجل تحقيق مكاسب إستراتيجية وجيوسياسية في مواجهة خصومها عبر توجيه مسار الصراع في سورية والتحكّم بمآلاته خدمة لأهدافها ومصالحها، وقد انكشف ذلك عمليا في سعي دول عربية إلى التفاهم مع النظام البائد عبر خطوات مباشرة لفك العزلة عنه وتعويمه، إذا ما ابتعد عن إيران وعاد إلى الصف العربي، حيث استُقبل رئيسه في عدة عواصم عربية؛ وقدمت له مساعدات مالية وعينية؛ وأعيد إلى جامعة الدول العربية في 7 مايو/ أيار 2023، بعد تعليق دام 12 عاماً، وحضر رئيسه القمة العربية في جدّة في 19 مايو/أيار 2023، بغض نظر صادم عن جرائمه وقتله قرابة نصف مليون سوري بأسلحة كيميائية وبراميل متفجرة ودبابات وصواريخ وقاذفات قنابل؛ وإعدامه عشرات الآلاف؛ وإخفائه الآلاف وتدميره عشرات المدن والبلدات والقرى، وفتح تركيا محادثات عسكرية وأمنية معه وضغطها لعقد قمة رئاسية، فسّر رأس النظام الانفتاح عليه تقرّباً منه لأنه انتصر وتمسك بمواقفه وتحالفاته.
لم تتأسلم الثورة أو تتسنّن (من سنّة)، كما ذهبت بعض التعليقات اليسارية، بل أجهضت بتغيير طبيعة المواجهة، قواها، وأدواتها، وأهدافها
انتهت الثورة ثورةً شعبية، بعد تحوّل سورية إلى ساحة لصراع جيوسياسي، خاضته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة دول عربية وإقليمية ودولية ومنظمات جهادية وافدة، جبهة النصرة لأهل الشام والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ومن خلفهما تنظيم القاعدة، باستثمار المناخ السياسي والاجتماعي الذي ترتب على زلزال الثورة الشعبية، حيث كانت البداية قرارا غير سوري في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 بإعلان "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" بـديلا عن "المجلس الوطني السوري"، وحشد موارد بشرية وعسكرية ملأت الساحة بدءا بدخول قوات روسية وإيرانية البلاد بذريعة تلبية طلب المساعدة من نظام شرعي، وقوات أميركية، بذريعة محاربة "داعش" التي سيطرت على مساحات واسعة من الأرض السورية، وقوات تركية بذريعة قطع الطريق على تشكيل كيان إرهابي من حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) المرتبط بحزب العمال الكردستاني وتشكيله سلطة أمر واقع تحت اسم "الإدارة الذاتية" وجناحين عسكريين، "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة"، شكلت "الوحدات" بطلب أميركي جسما عسكريا جديدا هو قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمشاركة فصائل عربية وآشورية سريانية لاحتواء ردات الفعل التركية، اعتمدتها الولايات المتحدة وكيلاً محلياً لمحاربة "داعش" ما ساعدها على السيطرة على ثلاث محافظات وشريط طويل من الحدود السورية التركية، ما أثار حفيظة تركيا ودفعها إلى دعم فصائل عسكرية سورية، تركمانية بالأساس، لمحاربة "قسد"، قبل أن تجمع عدة فصائل تحت راية "الجيش الوطني السوري" للعمل على تنفيذ الهدف المذكور بطرده "قسد" من عفرين ورأس العين وتل أبيض، ورُصدت أموال خليجية رسمية لتمويل قوى سياسية وعسكرية إسلامية واستتباعها وتوظيفها لخدمة أهداف الممولين في فرض تصوراتهم مستقبلا لسورية. وقد تمت مأسسة هذا الدعم عبر تشكيل غرفتي عمليات، الموم في تركيا والموك في الأردن، لتنظيم (وتنسيق) العمل العسكري المعارض ضد النظام وحلفائه. كما لعب الكيان الصهيوني دورا وازنا في تسخين المواجهات العسكرية تارة عبر قصف مواقع المليشيات التابعة لإيران؛ وفي الدفع لتحقيق أهداف محددة على الأرض السورية، مثل إبعاد حزب الله والمليشيات التابعة لإيران عن المناطق الحدودية في الجولان السوري المحتل، تارة أخرى.
شكلت هجرة كوادر أحزاب المعارضة ونخبة مثقفيها ثاني العوامل التي قادت إلى انكسار الثورة، هجرة هدفها طلب الأمان الشخصي والأسري
لم تتأسلم الثورة أو تتسنّن (من سنّة)، كما ذهبت بعض التعليقات اليسارية، بل أجهضت بتغيير طبيعة المواجهة، قواها، وأدواتها، وأهدافها، التي أعيد تشكيلها وفق الخلفيات العقائدية للفصائل ووفق مصلحة الداعمين، وقد تجلى هذا بشكل صادم في المعارك السياسية والإدارية التي شهدها "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" بين الموالين للدول على المواقع القيادية حيث تسيطر جهة ما تابعة لدولة عربية على المراكز القيادية في مؤسّسات "الائتلاف" وتعمل جهة تابعة لدولة عربية منافسة على عرقلة عملها بوضع العصي بالدواليب من أجل إفشالها وإخراجها من المواقع القيادية وحلولها محلها، واشتباكات الفصائل المسلحة لتحقيق أهداف ميدانية للدول الداعمة. فما حصل بعد العام 2012 ليس جزءا من الثورة الشعبية وليس امتداداً لها مع استفادته من المناخ الثوري الذي أفرزته واستثماره في إسقاط النظام.
في هذا المناخ من الصراع على سورية وتقاطعه مع تطورات إقليمية ودولية، من القضاء على "خلافة داعش"، إلى العدوان الروسي على أوكرانيا، إلى عملية طوفان الأقصى ودخول حزب الله اللبناني على الخط في حرب إسناد لحماس وتعرضه لضربات قوية قضت على قيادات الصف الأول فيه مروراً بتبادل القصف بين الكيان الصهيوني وإيران بعد قصف "الكيان" للقنصلية الإيرانية في دمشق وانكشاف عمق الاختراق الصهيوني لإيران وهشاشة دفاعاتها الجوية، جرى اضعاف النظام عسكريا وماليا وشعبيا، بلغ حد الإنهاك، والتأثير على البنية الفكرية والسياسية للفصيل الأكثر تنظيماً وتسليحاً، والذي نجح في إقامة إمارة في محافظة إدلب وإدارتها، "جبهة النصرة لأهل الشام" ودفعها إلى التحول فغدت "جبهة فتح الشام" ثم "هيئة تحرير الشام" في النهاية، باستبدال صفة "تحرير" بصفة "فتح" كي تتسق مع رغبات دول عربية وأجنبية حيث للصفة الأخيرة دلالة إسلامية غير مقبولة، كي تنال رضا هذه الدول، من جهة، وتفتح، من جهة ثانية، الطريق إلى عقد صفقة شاملة معها ليس على إسقاط النظام البائد فقط، بل وعلى شروط التغيير الذي سيلي إسقاطه وحدوده: الابتعاد عن الخلفية السلفية، وقد تم بإبعاد الشخصيات المتشددة من "الهيئة" ومحاربة فصيلي "حراس الدين" و"انصار التوحيد" اللذين خرجا منها؛ ومطاردة خلايا "داعش" بالتنسيق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وعن الديمقراطية بإقامة نظام محافظ والاندماج في محور الاعتدال العربي والابتعاد عن روسيا والصين عبر الاصطفاف في الصف الغربي، بما في ذلك التفاهم مع الكيان الصهيوني، واستضافة الدوحة على هامش منتدى الدوحة جتماعاً استثنائياً لضامني مسار أستانة (تركيا، روسيا، إيران) في يوم 7 ديسمبر/ كانون الأول 2024 والاتفاق على أرضية سياسية حدّت من احتمالات تعطيل عملية ردع العدوان، وأمّنت حداً أدنى من عدم عرقلة مسارها.

Related News
الأرجنتين تصنف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية
al-ain
14 minutes ago
باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد
aawsat
39 minutes ago
وديات المونديال... الأخضر السعودي يخسر بثنائية صربيا
aawsat
47 minutes ago