Arab
تضج جدران مدارس محافظة لبنان الشمالي التي تحوّلت إلى مراكز إيواء، بالمئات من قصص النزوح القاسية التي تختصر قسوة الحرب الإسرائيلية المتواصلة، وتفاصيل حياة النازحين اليومية.
يواجه النازحون إلى الشمال اللبناني تحديات متراكمة تشمل نقص المياه والغذاء، وغياب الخصوصية، ومن طرابلس إلى أميون (الكورة) وزغرتا، تتكرر الشكاوى، ويتكرر الحديث عن أمل العودة سريعاً.
يبلغ عدد مراكز الإيواء في محافظة لبنان الشمالي 58 مركزاً موزّعة على ستة أقضية (طرابلس، زغرتا، المنية الضنية، البترون، الكورة، بشري)، وهي تضمّ 5317 نازحاً يتوزّعون على 1,330 عائلة، بينما يبلغ عدد النازحين خارج تلك المراكز 42,797 نازحاً، وفق غرفة إدارة الكوارث. يضم قضاء طرابلس 18 مركزاً تؤوي 1665 نازحاً، والغالبية يعانون من انقطاع المياه، ويعتمدون في تأمين الطعام والأدوية على مبادرات تطوعية محلية، لكنهم يواجهون نقصاً في حليب الأطفال، ومواد النظافة.
من داخل مدرسة مي التي تحولت إلى مركز إيواء، تقول النازحة سكنة زريق لـ"العربي الجديد": "نعيش في غرفة تضم 15 شخصاً، وحاولنا استئجار منزل في المدينة، لكن الإيجارات مرتفعة، ولا قدرة لنا على دفع قيمتها. أقوم بغسل الملابس بالطريقة البدائية، رغم أنني مصابة بسرطان الثدي، وخضعت لعملية جراحية قبل عدة أشهر، ولا أستطيع بذل مجهود كبير. القيمون على المدرسة يؤمّنون وجبات طعام تحتوي على معلبات وحبوب، لكن لا يوجد مطبخ يمكننا من الطهي، والأطفال يرفضون الطعام المقدّم عادة، ونطالب بتقديم مساعدات مالية تمكننا من تدبير أمورنا بأنفسنا".
تضيف زريق: "كان النزوح وترك البيت صعباً، لكن لم يكن أمامنا بدائل، فعلى مدار سنة ونصف مضت كانت الدولة تقول إنها ستحمينا. استشهد أخي قبل خمسة أشهر، ونحن صامدون رغم الظروف الصعبة. إذا لم نحرّر أرضنا فمن سيحررها؟".
تحولت 18 من مدارس قضاء طرابلس إلى مراكز إيواء تضم 1665 نازحاً، وتتجاوز أعداد النازحين خارج مراكز إيواء لبنان الشمالي 42 ألف نازح
نزحت هدى عسكر من بلدة صديقين (قضاء صور)، وهي أم لثلاثة أطفال، وتقول لـ"العربي الجديد": "أعاننا الله على هذه المرحلة. نواجه أزمة انقطاع المياه، ونغسل الملابس بأيدينا. قدّمت منظمة (يونيسف) ثياباً شتوية للأطفال، لكنّ ابني الصغير، الذي يعاني من حساسية يحتاج إلى أدوية غير متوفّرة، كما يحتاج إلى جهاز أوكسجين بسبب سعاله المستمر. ويبكي الأطفال مطالبين بالعودة إلى القرية لمتابعة الدراسة واللعب مع رفاقهم".
بدورها، نزحت سارة (16 سنة) من بلدة القليلة في قضاء صور، وتتحدث عن اشتياقها إلى بيتها ومدرستها ورفاقها، بينما كانت تعتني بقطط أليفة نزحت معها. تقول: "هي روح أيضاً، وعلينا الاعتناء بها".
خصصت مدرسة فرح أنطوان في مدينة طرابلس للعائلات السورية النازحة من النبطية، ويقيم فيها 164 نازحاً موزّعين على 29 عائلة سورية وعائلة لبنانية واحدة، وجميعهم يواجهون نقصاً في حليب الأطفال والمنظفات، إضافة إلى تكرار انقطاع مياه الشرب، وتقدّم برنامج الغذاء العالمي لهم وجبة طعام واحدة يومياً.
نزحت السورية رجاء الأحمد مع زوجها وأطفالها السبعة إلى طرابلس، بعدما تُركوا في العراء بمدينة صيدا لأيام، وتقول لـ"العربي الجديد": "زوجي عامل مياوم في البناء، ولا نملك المال للعودة إلى بلدتنا في إدلب. لذا نزحنا إلى هذه المدرسة، والله يفرجها وتنتهي الحرب كي نعود إلى النبطية".
ويشير السوري بلال طه إلى أنّه نزح مع زوجته وستة أطفال من دون ثياب أو أموال. ويشتكي من غياب المساعدات، لافتاً إلى أن منظمة يونيسف وفرت ثياباً للأطفال، لكنه لم يتمكن من تأمين الثياب سوى لطفل واحد من أطفاله.
يبلغ عدد مراكز الإيواء في قضاء الكورة 15 مركزاً، وتضمّ 997 نازحاً، وتعد بلدة أميون مركز القضاء والبلدة الأكبر فيه، وهي تضم مركزي إيواء، وهناك العديد من العائلات النازحة في بيوت مستأجرة. يقيم في مدرسة أميون المهنية الرسمية 103 نازحين موزّعين على 31 عائلة، ويواجهون نقصاً كبيراً في مستحضرات التنظيف، إضافة إلى انقطاع المياه، ما يضطر النازحين إلى تعبئة المياه من محطة تكرير في البلدة، وهو أمر مرهق، خصوصاً أن الغالبية لا يملكون سيارات.
نزحت آمنة فرحات من بلدة سيناي (قضاء النبطية)، وتقول: "العيش في مركز إيواء صعب في ظل انقطاع المياه والكهرباء يومياً. نحصل على وجبة غداء يومية لكن الأطفال لا يأكلونها، ولا نملك مطبخاً لطهي الوجبات. تمكن المسؤولون من تأمين قارورتي غاز لتمكيننا من الطهي في باحة المدرسة، وبعد نفادهما لم نتمكن من تعبئتهما مجدداً بسبب عدم توفر القدرة المالية".
داخل إحدى غرف مهنية أميون، تجلس النازحة من بلدة الطيبة، فاطمة نحلة إلى جانب زوجها يستمعان إلى الأخبار عبر الراديو، فيما تغالب دموعها حزناً على رحيل الصحافية فاطمة فتوني، وهي من بلدتهما. تقول لـ "العربي الجديد": "نعرفها هي وشقيقها من الشاشة، وخبر استهدافهما كان كالصاعقة. ليتنا لم نغادر منزلنا، وإن شاء الله نرجع سريعاً".
نزحت نعيمة علي نعيم من بلدة العباسية (قضاء صور)، وتقول لـ"العربي الجديد"، إنها المرة الأولى التي تعيش فيها داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، وتضيف: "هناك احتياجات كثيرة، منها نقص المياه، واضطرارنا للنزول إلى الحمامات في الملعب، فالمبنى لا يضم حمامات في الطوابق، ونضطر إلى حمل والدتي المسنّة إلى الحمامات. البرد قارس، وكل فرد يملك غطاءً شتوياً واحداً، ولم يتم تأمين أغطية إضافية. فكرة تزويدنا بالمعلبات والبقوليات غير مجدية، إذ لا يمكننا الطهي، ويجب استبدال الحصص الغذائية بمساعدات مالية كي نتمكن من تأمين احتياجاتنا بأنفسنا".
يقيم في ثانوية أميون الرسمية 107 نازحين موزّعين على 31 عائلة، وتقول مديرة المدرسة، ليليان بشواتي، إن هناك أزمات متعددة، أبرزها انقطاع المياه والكهرباء وأزمة التدفئة. وتوضح أن "أميون هي أكبر بلدة في قضاء الكورة، وتشكل حاضنة كبيرة للنازحين من أبناء الجنوب. أربع مدارس في القضاء رفضت التحول إلى مراكز إيواء لأسباب مختلفة، واستجابة الجمعيات ليست كما كانت في الحرب السابقة، ونعتمد بشكل أساسي على البلدية في تأمين المستلزمات. ستتفاقم الصعوبات في حال طول أمد الحرب، لا سيما في ظل الإمكانات المحدودة للدولة".
يضم قضاء زغرتا تسعة مراكز إيواء، أربعة منها في مدينة زغرتا، ويبلغ إجمالي النازحين 1368 نازحاً. تؤوي ثانوية زغرتا الرسمية 153 نازحاً، ويتولى مركز جيهان فرنجية تأمين الأدوية والطبابة للنازحين، فيما يعتمد السكان في الطعام على مبادرات فردية من أبناء البلدة. وتقول مندوبة وزارة الشؤون الاجتماعية جوزافين فرشخ لـ"العربي الجديد"، إن "الإمكانات متواضعة، ولا يوجد فائض في المساعدات، كما نقدم أيضاً الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين".
نزح هادي صقر من الضاحية الجنوبية لبيروت، ويقول لـ"العربي الجديد": "ظروف النزوح صعبة، لا سيما مع احتمال طول أمد الأزمة. أعاني لتأمين مستلزمات عائلتي ووالدتي المقعدة، صحيح أن بعض الحاجات مؤمّنة في مركز الإيواء، لكن الغلاء واضح. حاولت البحث عن عمل في المدينة، لكني واجهت صعوبة في ذلك، وأفكر في العودة إلى بيروت، أو صيدا، علّي أجد فرصة عمل تؤمّن مصروفات عائلتي".
بدورها، تتحدث زهراء فحص، من بلدة حاروف (قضاء النبطية)، عن سبب نزوحها إلى زغرتا، قائلة: "المنطقة حليفة لحزب الله عبر تيار المردة برئاسة سليمان فرنجية. لدي طفلان أحدهما عمره أربعة أشهر، ونعاني من غياب التدفئة، كما أن الحمامات موجودة في ملعب المدرسة، ما يشكّل أزمة في ساعات الليل الباردة، إضافة إلى غسل الملابس يدوياً، وعدم وجود مكان للطبخ".
ويتحسّر النازح من بلدة المجادل (قضاء صور) حيدر عيسى على موسم الزراعة، قائلاً: "نحن مزارعون، ونعشق الأرض، وإذا لم نزرع لا يمكننا العيش، وأتمنى أن نعود سريعاً إلى أرضنا".
وتصف منال حمود، النازحة من بلدية عيناتا الحدودية، الواقع بـ"التهجير بالذل"، مضيفة: "كنا نعتاش من أرضنا، لذا يصعب علينا انتظار المعونات ووجبات الطعام". ويقول زوجها محمد حمود: "كانت أعمالنا متوقفة بسبب عدم تحقق إعادة الإعمار، واليوم لا نملك أموالاً تمكّننا من تجاوز الأزمة. أحاول البحث عن عمل في هذه المنطقة، لكن الأمر صعب".
في الحرب الماضية، تحوّل المعهد الفني في زغرتا إلى مطبخ مركزي يوزّع وجبات الطعام على مختلف مراكز الإيواء في المنطقة، وأعيد افتتاح المطبخ قبل أيام، ويتيح حالياً تحضير وجبة واحدة يومياً للنازحين.
في الباحة، يجلس عدد من الشبان النازحين الذين جمعتهم مآسي الحرب. يقول الشاب علي حلال، من بلدة حبوش، لـ"العربي الجديد": "نعيش الظروف نفسها. صحيح أن الوضع في زغرتا أفضل من غيرها، إذ على الأقل نشعر بالأمان، لكن ظروف الإقامة صعبة، ووسائل التدفئة معدومة".
وتقول الشابة فاطمة أمين، النازحة من بلدة أنصار: "تعيش عائلتي المؤلفة من عشرة أفراد في غرفة واحدة. صحيح أن ذلك صعب، لكننا على الأقل لا نتعرض لمضايقات. نصبر وندعو أن تنتهي الحرب في أقرب وقت".
بدورها، تشير هبة عبد الله، النازحة من بلدة طير دبا (صور)، إلى أن "القائمين على المعهد يحاولون تأمين المستلزمات، خصوصاً الأدوية لوالدتي المسنّة، ولم نتعرض لأية مضايقات، وأهالي المدينة يدعموننا مثلما فعلوا خلال الحرب الماضية".

Related News
«العفو الدولية» تحذر من مخاطر جسيمة في كأس العالم 2026
aawsat
14 minutes ago
خطأ إيران القاتل
alaraby ALjadeed
28 minutes ago
مجاراة لا أخلاق العدوان
alaraby ALjadeed
29 minutes ago