Arab
لم يعد المستقبل بعيداً بالصورة التي كان يبدو عليها منذ سنوات. نحن على مشارفه الآن، أو لعلّه آذن حقاً، ودخلنا عتبةَ ذلك البيت الغامض الذي لم نعرف بعد ماذا يوجد في غُرفه. والمستقبل الذي أقصده هو مستقبلُ الكتابة، ولو أن حضور الذكاء الاصطناعي ما يزال متواضعاً في العربية، ومقتصراً على فنّ المقال، وعلى فضائح متنقّلة في معارض الكتاب. لكن ما يحدث في لغات أخرى في حقول الكتابة المختلفة، سُرعان ما سيصل إلينا.
ولا يعوز كشف أساليبه أكثر من غياب مفردة خالصة الانتماء إلى عالم البشر، وهي "الارتباك". والخلاف مع كتابته ليس في الأخطاء أو عدمها، فهذا أمرٌ يمكن تصويبه، الخلافُ معه في رتابة نموذجه اللغوي، وجمله المضبوطة التي تخلو من الحسّ، وتوهم في الوقت نفسه بغياب الخطأ، إذ يمكن لنموذجه اللغوي أن يملأ صفحاتٍ في أيّ موضوع، بما يوحي أنه يقول شيئاً، إلا أنَّ ما يقوله، لا خصوصيّة فيه.
والمستقبل الذي بلغنا عتبته للتوّ، يظهر في إتاحة جمعية المؤلفين البريطانيين وسماً جديداً يُوضع على الكتب التي ألّفها بشر، لتمييزها عن تلك التي أنتجها الذكاء الاصطناعي، وقد جاءت هذه الخطوة لحفظ حق الكاتب من جهة، ولحماية القارئ من الخديعة التي قد يغرقه بها سوق النشر. غير أن هذا الطرح، في مجمله، يبدو أشبه بعالمٍ كان متخيّلاً، يدافع فيه البشر عن أنفسهم في وجه أمر اخترعوه، لا على هيئة فرانكشتاين هذه المرة، إنَّما في هيئة كلمات يَصعُب التحقّق من زيفها.
مع أن ما قد ينجح به هذا الذكاء هو ما يضعفُ فرادةَ الفنّون. في الرواية مثلاً، أكثر ما يميّز أسلوب روائيّ عن آخر هي تلك الفراغات التي يصنعها الكاتب، أو تبقى عنوةً عنه. وحتى عندما تغلب الصَنعة، أو تظهر متقدّمة على الموهبة في رواية ما، أمرٌ قد يُضعف بريقها، لتُنسى بعد قراءتها. وقد يجد القارئ مسافةً معها، لأنّ في الصنعة إلماماً بنماذج محدّدة في الكتابة، وهي مهارة يُنتجها الاطلاع أكثر ممّا تنتجها الموهبة الفارقة. وكثيراً ما تفتقد الروايات المشغولة بالصنعة إلى المشقّات السردية، التي تنقل الرواية إلى مستوى أبعد في حقلها.
ما ينجح به الذكاء الاصطناعي يضعفُ فرادةَ الفنّون
في السياق ذاته، أُعلن في معرض لندن للكتاب الشهر الفائت عن كتاب يضمّ أسماء عشرة آلاف مؤلف، في مبادرة للاحتجاج على استخدام شركات الذكاء الاصطناعي لنصوص كتبها البشر لدعم نماذجه التوليدية. المبادرة بذاتها نوعٌ من الإلهام، لا تنتج إلا عن عبقرية البشر. الكتاب ليس فارغاً، صفحاته ليست بيضاء، إلا أنّ محتواه يقتصر على العنوان الذي يوجّهه الكتّاب إلى زميلهم الوافد، وهو "لا تسرق هذا الكتاب"، وكأنّ الزميل الوافد مجرّد لصّ.
ومن بين الأسماء التي يضمّها الكتاب الروائي الياباني البريطاني كازو إيشيجورو (نوبل 2017)؛ مؤلف رواية "بقايا اليوم"، الرواية التي اقتبست فيلماً أدَّى دور كبير الخدم فيه أنطوني هوبكنز، وهي توثّق لحظة ينتقل فيها كبيرُ الخدم من الزمن الأرستقراطي البريطاني إلى الزمن الأميركي حيث تغيب التقاليد. وهذا الاختلال في الزمن يحدث الآن، حيث الكُتّاب على عتبة المستقبل يقفون خدماً للخوارزمية.

Related News
«العفو الدولية» تحذر من مخاطر جسيمة في كأس العالم 2026
aawsat
14 minutes ago
خطأ إيران القاتل
alaraby ALjadeed
28 minutes ago
مجاراة لا أخلاق العدوان
alaraby ALjadeed
29 minutes ago