سورية... بين بناء الدولة وخطر الإخفاق
Arab
2 hours ago
share
تقف سورية اليوم أمام منعطف تاريخي، خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح قد تفتح الطريق نحو دولة حديثة مستقرّة، وخطوة خاطئة قد تعيد إنتاج الفوضى والانهيار، فالتحدّي لم يعد في تغيير الوجوه، بل في القدرة على إدارة دولة متعدّدة الهويات، منهكة اقتصادياً وممزقة اجتماعياً ومحاطة بتوازنات إقليمية معقدة. إنها لحظة اختبار لمدى استعداد الإدارة الجديدة للانتقال من شرعية ظرفية إلى شرعية دولة، ومن عقلية الجماعة إلى منطق المؤسسات. ويتوقّف نجاح هذا الانتقال على قدرة السلطة في مواجهة الأسئلة المؤجَّلة: كيف تُدار دولة خرجت من حرب طويلة؟ كيف تُعاد بناء مؤسّسات انهارت أو أُفرغت من مضمونها؟ وكيف تتحوّل السيطرة على الأرض إلى شرعية سياسية وقانونية تحظى بثقة السوريين؟ أدّى سقوط النظام السابق إلى فراغ واسع في بنية الدولة، فراغ إداري وأمني وسياسي ومؤسّساتي. وتبيّن أن ما كان يُسمّى "دولة" في عهد الأسد لم يكن سوى مزرعة، مؤسسات بلا قواعد، وإدارات بلا معايير، وقطاعات بلا قيادة مهنية. ملء هذا الفراغ لا يتحقق بمجرد تغيير السلطة، بل عبر إعادة تأسيس شرعية جديدة تستند إلى الاعتراف بالتنوّع السوري، وإشراك مختلف المكوّنات في صنع القرار، وبناء مؤسسات مهنية مستقلة قادرة على الصمود أمام الضغوط السياسية والاجتماعية. السؤال الأساسي اليوم لم يعد مرتبطاً بهوية من يتولى السلطة، بقدر ارتباطه بطبيعة السلطة نفسها. فالدول التي تُختزل في مشروع جماعة سياسية أو أيديولوجية تنزلق سريعاً نحو العزلة والتوتر الداخلي، بينما الدول التي تفصل بين السلطة والدولة وتخضع نفسها لقواعد عامة ومساءلة شفافة تنجح في بناء شرعية مستقرة. الشرعية الحقيقية تُبنى بقدرة السلطة على إدارة التنوّع، واحترام الحقوق، وفتح المجال العام، وتطبيق قواعد واحدة على الجميع. فالدولة التي تُدار بمنطق الجماعة تضيق حتى على نفسها، بينما الدولة التي تُدار بمنطق المؤسسات تتسع لكل أبنائها. إعادة بناء الدولة تبدأ من الإدارة. فالمؤسّسات التي ورثتها سورية بعد الحرب تفتقر إلى منظومة مهنية واضحة، وتغلب عليها التعيينات القائمة على الولاء لا الكفاءة. الإصلاح الجاد يتطلب معايير معلنة للتعيين والترقية، وهيئات مستقلة لتقييم الأداء، وربط المسؤولية بالإنجاز، والفصل بين الموقع العام والمصالح الخاصة. كما يتطلب استعادة الكفاءات السورية في الداخل والخارج ممن جرى تهميشهم أو إقصاؤهم. من دون هذا التحول، ستبقى الإدارة الجديدة أسيرة الأدوات القديمة، وستتكرر التجارب التي انهارت فيها مؤسسات دول أخرى رغم تغيّر السلطة. لا يمكن بناء مستقبلٍ فوق جراح مفتوحة. معالجة ملفات المعتقلين والمفقودين، تعويض الضحايا، استعادة الأملاك المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة ضمن إطار قضائي مستقل، خطوات ضرورية لإعادة بناء الثقة بين السوريين يقف الاقتصاد في قلب الامتحان الحقيقي لأي سلطة جديدة. فالغالبية الساحقة من السوريين تعيش تحت خط الفقر، والقدرة الشرائية منهارة، وفرص العمل شبه معدومة. الشرعية هنا تُبنى بقدرة الدولة على وقف التدهور الاقتصادي وتأمين الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة. ويتطلب ذلك تفكيك شبكات الفساد، إخضاع الصفقات المالية للرقابة، دعم الزراعة والصناعة الصغيرة والمتوسطة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة بسياسات شفافة. كما أن إعادة بناء طبقة وسطى واسعة شرط أساسي لأي استقرار اجتماعي وسياسي. من دون معالجة جذرية لهذا الملف، ستبقى البلاد مهدّدة بانفجارات اجتماعية متكررة. لا يمكن بناء دولة مستقرة بجيش منقسم أو أجهزة أمنية تعمل خارج القانون. المطلوب هو إعادة بناء عقيدة وطنية مشتركة تنحاز إلى حماية الحدود والسلم الأهلي، لا إلى حماية السلطة. ويتطلب ذلك توحيد القوى المسلحة ضمن إطار قانوني واحد، وتأهيل كوادر مهنية، والاستفادة من خبرات الضباط غير المتورّطين في الانتهاكات، وإخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية وقانونية. من دون هذا التحوّل، ستظل أي عملية سياسية أو اقتصادية مهددة من داخلها. لا يمكن لأي دولة أن تستقر في ظل مجتمع صامت. ففتح المجال العام (إعلام مستقل، مجتمع مدني فاعل، نقابات مهنية) ليس ترفاً، بل شرط لتصحيح السياسات ومنع تراكم الأخطاء. المجتمعات التي يُسمح لها بالنقد قادرة على تفريغ توتراتها بالحوار، بينما المجتمعات المخنوقة تنفجر أو تنزلق نحو التطرف. فتح المجال العام يمنح المواطنين شعوراً بالشراكة، ويمنح الدولة القدرة على رؤية أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات. لا يمكن لسورية أن تبني دولة مستقرة فيما حدودها مفتوحة على صراعات الآخرين. المطلوب تبريد الجبهات لا فتحها، وخفض التوتر بدل الاستثمار فيه، وبناء شراكات متوازنة تمنع الارتهان لطرف واحد، وطمأنة دول الجوار بأن سورية لن تكون منصة لتهديد أمنها. فكلما هدأت الجبهات الخارجية، اتسعت مساحة العمل الداخلي، وازدادت قدرة السوريين على إعادة بناء مؤسساتهم واقتصادهم. لا يمكن بناء مستقبلٍ فوق جراح مفتوحة. معالجة ملفات المعتقلين والمفقودين، تعويض الضحايا، استعادة الأملاك المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة ضمن إطار قضائي مستقل، كلها خطوات ضرورية لإعادة بناء الثقة بين السوريين. العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل ضمانة لعدم تكرار المأساة، وشرط لقيام دولة يشعر مواطنوها بأن حقوقهم مصانة. تقف سورية اليوم أمام فرصة ضيقة وزمن قصير لاختبار جدّية الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة. التحديات من الشرعية إلى المؤسسات، ومن الاقتصاد إلى الأمن، ومن المجال العام إلى السياسة الخارجية والعدالة الانتقالية ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة. إما أن تُمسك بها الدولة الجديدة مجتمعة، أو تنفرط كما انفرطت من قبل. اللحظة الراهنة ليست لحظة انتصار ولا هزيمة، بل لحظة تأسيس. وما لم يُنجز الآن قد يصبح لاحقاً أكثر كلفة… وربما غير ممكن.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows