Arab
أُطلق أخيراً مسح شامل في مخيمات شمال غرب سورية بهدف جمع بيانات دقيقة عن مئات آلاف الأسر النازحة، في خطوة أشارت الجهات الرسمية إلى أنّها تمهّد لوضع خطط استراتيجية تفضي إلى إنهاء ملف النزوح الممتدّ منذ سنوات. لكنّ هذه الخطوة، على الرغم من أهميتها من الناحية التخطيطية، تثير تساؤلات كثيرة بين سكان المخيمات حول جدواها الفعلية وما إذا كانت ستبقى في إطار جمع البيانات والدراسات أم أنّها ستُترجَم إلى إجراءات فعلية تنعكس على حياتهم اليومية.
وأوضح معاون رئيس هيئة التخطيط والإحصاء في سورية رفعت حجازي أنّ المسح يركّز على تحديد أسباب النزوح ودراسة الخصائص الاجتماعية والديمغرافية للأسر المقيمة في المخيمات، تمهيداً لعرض نتائجه على لجنة وطنية تعدّ رؤية متكاملة لمعالجة هذا الملف. أضاف حجازي، في تصريحات أدلى بها مؤخراً إلى الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، أنّ العملية لا تهدف إلى تقديم دعم مادي مباشر إلى النازحين، بل إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في تصميم تدخلات تنموية منظمة، مشيراً إلى أنّ تنفيذ هذه العملية يستغرق ما بين 35 يوم عمل و40 يوماً.
من جهته، أفاد مدير مديرية التخطيط والإحصاء في محافظة إدلب وليد موصلي وكالة سانا بأنّ فرق الباحثين انتشرت في مختلف المناطق، بما فيها حارم وأطمة والدانا وسرمدا، بالإضافة إلى تجمعات المخيمات في إدلب وجسر الشغور، لإنجاز المسح. يأتي ذلك بمشاركة نحو 500 باحث ميداني، مع إمكانية رفع العدد إلى 700 في حال تطلّبت الحاجة ذلك.
وذكرت وكالة سانا أنّ هيئة التخطيط والإحصاء في سورية بدأت، بالتعاون مع محافظة إدلب، بعمليات تدريب الباحثين منذ مطلع شهر مارس/ آذار الجاري، وذلك من ضمن مساعي الحكومة السورية لجعل عام 2026 مرحلة مخصّصة للتخطيط الاستراتيجي وضمان عودة كريمة للنازحين.
لكنّ هذه الخطط تصطدم بواقع إنساني شديد القسوة، إذ يعيش أكثر من مليون نازح في نحو 1150 مخيّماً في شمال سورية، من بينها 801 مخيم في ريف إدلب و349 في ريف حلب، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية والبنى التحتية. ومع كلّ فصل شتاء، تتجدّد معاناة النازحين في مخيمات سورية، إذ إنّ الخيام لا تقيهم البرد ولا الأمطار، في حين تتزايد المخاطر الصحية والبيئية وسط غياب شبكات الصرف الصحي وضعف الاستجابة للطوارئ، وفقاً لما جاء في آخر تقرير عن المخيمات أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
تقول النازحة السورية هيام سلورة في مخيمات أطمة إنّ فريقاً للمسح زارها وطرح عليها أسئلة كثيرة، غير أنّه لم يقدّم لها أيّ إجابات واضحة على تساؤلاتها. تضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "الفريق دخل إلى الخيمة، وسجّل كلّ التفاصيل المتعلقة بحياتنا؛ عدد أفراد الأسرة ومصادر الدخل ووضع منزلنا في القرية التي نزحنا منها. لكنّنا (في المقابل) لم نحصل على أيّ توضيح حول الخطوة التالية؛ لم يخبرنا أحد إن كانت ثمّة مساعدات (مرصودة) أو متى يمكننا أن نعود، أو حتى كيف يكون التعامل مع أوضاعنا لاحقاً". وشدّدت على أنّ ما يحتاجونه بصورة عاجلة اليوم هو "التدفئة والغذاء، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في الأسعار، فالحياة هنا تزداد صعوبة يوماً بعد يوم".
من جهته، يشير أحمد العرفات في مخيمات دير حسان، الذي نزح من ريف معرة النعمان، إلى حالة من الغموض تحيط بالوعود التي تتداول بين السكان. ويقول لـ"العربي الجديد": "نسمع من بعض العاملين أو من الناس أنّ ثمّة خططاً لإعادة الإعمار تدريجياً، وأنّ العودة ستكون آمنة ومنظمة. لكن هذا الكلام ما زال عمومياً وغير واضح". يضيف: "نحن لا نستطيع العودة لمجرّد وجود نيّة، بل نحتاج إلى ضمانات حقيقية. يجب أن تكون منازلنا قابلة للسكن، وأن تتوفّر الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والتعليم، بالإضافة إلى الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة"، مشدّداً على أنّ "العودة من دون هذه الشروط تعني أنّنا سوف ننتقل من معاناة إلى أخرى ربّما أشدّ وطأة".
وتتحدّث الشابة هناء أرسلان، التي تقيم في مخيم بالقرب من سرمدا، عن تحديات تتجاوز فكرة العودة بحد ذاتها. وتؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ "القضية ليست فقط متى نعود، بل كيف نعيش سواء هنا أو بعد العودة. ثمّة جيل كامل من الشباب فقد فرص التعليم والعمل من جرّاء الحرب والنزوح. نسمع وعوداً عن مشاريع تنموية وخطط لدعم الشباب، لكنّنا لم نلمس أيّ شيء على أرض الواقع. وفي حال لم يُهتم بهذه الجوانب، فإنّ إنهاء ملفّ المخيمات لن يعني بالضرورة إنهاء المعاناة". وتتابع أرسلان أنّ "عائلات كثيرة تنظر إلى المستقبل بقلق، في ظلّ غياب رؤية واضحة تضمن الاستقرار"، مشدّدةً على أنّ "الناس هنا لا يبحثون فقط عن مأوى، بل عن حياة كريمة تشمل التعليم والعمل والأمان، وهي أمور ما زالت بعيدة المنال حتى الآن".
في سياق متصل، يقول مدير مخيم الأنصار الشمالي، الواقع في محيط بلدة دير حسان شمالي محافظة إدلب، فخر الحسين إنّ "الإعلان عن تشكيل لجنة المسح التي تضمّ مئات الباحثين ومسؤولين حكوميين رفع سقف التوقعات لدى السكان، إذ اعتقد كثيرون أنّ نتائجها ستقود سريعاً إلى حلول عملية، ربّما على شكل مساعدات مالية تعينهم في ترميم منازلهم والعودة إليها. لكنّ التوضيحات الأخيرة، التي تبيّن أنّ المسح لا يتضمّن دعماً مادياً مباشراً، أثارت حالة من الإرباك والقلق بين الأهالي".
يضيف الحسين لـ"العربي الجديد" أنّ فرق المسح لم تصل بعد إلى كل المخيمات، بما فيها مخيّمهم، الأمر الذي يزيد من حالة الترقب. ويبيّن أنّ "الاحتياجات الفعلية للسكان ما زالت ملحّة، وفي مقدّمتها تقديم مساعدات مالية حتى لو كانت محدودة، الأمر الذي يسهم في ترميم المنازل المتضرّرة والتشجيع على العودة، أو على الأقلّ توفير سلال غذائية شهرية منتظمة، خصوصاً للعائلات التي لا تملك أيّ مصدر دخل". ويشير الحسين إلى "تدهور كبير في الخدمات داخل المخيمات"، فعدد كبير منها يفتقر إلى أبسط المقوّمات، بما في ذلك التعليم. والمدرسة الوحيدة في مخيّمهم أغلقت أبوابها، وصار أقرب مركز تعليمي بالتالي يقع على بُعد نحو كيلومتر واحد على الأقلّ، الأمر الذي يمثّل عبئاً إضافياً على الأطفال وأسرهم.
وفي تعليق على المسح والهواجس إزاءه، يقول العامل في مجال الإغاثة والإيواء عبد السلام اليوسف لـ"العربي الجديد" إنّ ما أعلنته سابقاً هيئة التخطيط والإحصاء في سورية حول أهداف المسح الشامل ركّز على جمع بيانات دقيقة لتحديد أسباب استمرار بقاء الأهالي في المخيمات حتى اليوم، مشيراً إلى أنّ تنفيذ مشاريع خدمية في القرى والبلدات المتضرّرة، مثل المدارس أو المرافق العامة، لا يُعَدّ كافياً من وجهة نظرهم، في ظلّ الدمار الكبير الذي لحق بالمنازل.
ويلفت اليوسف إلى أنّ "العائق الأساسي أمام العودة يتمثّل في عدم قدرة الأهالي على إعادة إعمار بيوتهم أو حتى ترميمها"، مبيّناً أنّهم "يعوّلون على دعم مادي مباشر يساعدهم في إصلاح منازلهم، أو تبنّي مشاريع حقيقية لإعادة الترميم". ويرى أنّ "الحكومة تعوّل على البيانات بوصفها مدخلاً للحلّ، غير أنّ الأولوية بالنسبة إلى نازحين كثيرين ما زالت عبر تأمين الحدّ الأدنى من مقومات الحياة، وأن تتحوّل الخطط المعلنة إلى حلول حقيقية ومستدامة تُنهي سنوات النزوح الطويلة".

Related News
العراق: إعفاء واحتجاز قيادات أمنية
aawsat
6 minutes ago
إسرائيل توسّع «السيطرة النارية» جنوب لبنان
aawsat
9 minutes ago
إعادة اللاجئين تتصدر زيارة الشرع إلى برلين
aawsat
13 minutes ago