Arab
وفاة الخال، التي تُعيد ليليا (آية بوترعة) إلى عائلتها في سوسة (تونس) بعد أعوام تمضيها في باريس، ستكون أيضاً مفتاحاً يكشف عوالم مخفيّة في سِيَر أفراد، بينهم وحيدة، شقيقة الراحل ووالدة العائدة، المنكشفة تدريجياً بأداء هيام عباس، الذي يمنح الشخصية إمكانية البوح الصامت غالباً، المُعبَّر عنه بملمح ونظرة وحركة ونبرة، وكلام قليل. عثمان (أمين بنرشيد) يُشكّل مفتاحاً (أيضاً)، بفضله تنكشف سوزان (عباس نفسها) بهدوء، أمام ذاتها ومحيطها (وفي المحيط ابن وابنة)، يتناقض (الهدوء) كلّياً مع غليان بيئة مُصرّة على رفض الآخر، وإصرارها يبلغ مرتبة رفض من يُقبَل فيها سابقاً (سوزان)، لكونها أرملة مسيحية، لن تتمكّن مسيحيتها من حمايتها دائماً في البيئة هذه، فالأصل فلسطينيّ، وهذا كافٍ.
اختزال "بيّت الحسّ" للتونسية ليلى بوزيد، و"لمن يجرؤ" للّبنانية الفرنسية دانييل عربيد، بالأسطر السابقة، غير مُغيِّب مسائل أخرى، رغم أنّ موقع الآخر في بيئةٍ معينة، يُفترض بها أن تكون بيئته الأصلية بشكل ما، يحتلّ صدارة المشهد السينمائي في الفيلمين، المعروضين أولاً في الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي. المثلية الجنسية أساس درامي في "بيّت الحسّ" (المسابقة الدولية)، وهذا مرفوض كلّياً في المجتمع التونسي، وله عقاب قانوني (الفصل 230، المجلة الجزائية التونسية، 1913). رفض الآخر بعنصرية مُشرّعٌ، اجتماعياً وثقافياً وإعلامياً ومسلكياً في لبنان، بعيداً عن أي ضابط قانوني أو أخلاقي ("لمن يجرؤ"، بانوراما)، ولن "تشفع" للفلسطيني مسيحيته في المُكوَّن المسيحي الطائفي، إضافة إلى كون الفلسطيني امرأة وأرملة، وتُقيم وحدها. فالتواصل، عاطفياً وجسدياً وبشرياً وحسّياً، مع غير المنتمي كلّياً إلى ذاك المُكوَّن، سببٌ إضافي لنبذ المرأة، أمّاً وأرملة وكائناً بشرياً حيّاً.
المثلية الجنسية جوهر حكاية تُعرّي عائلة مُصابة بأعطاب، يفضحها موت الخال، مثليّ الجنس، بظروف غير واضحة للعائلة، وليليا مثلية أيضاً، تعود إلى مدينتها رفقة حبيبتها الفرنسية أليس (ماريون باربو)، ولا أحد يعرف هذا باستثناء والدها، طليق وحيدة. العنصرية، أي رفض الآخر، مرآة أفكار وسلوك تقود بيئة واجتماعاً، والمرأة (أمّ، أرملة، فلسطينية، مسيحية)، بلقائها مصادفة عثمان، السوداني المُقيم في تلك البيئة وذاك الاجتماع من دون أوراق رسمية، تستعيد ذاتها من عزلة وانغلاق، كما تستعيد إحساساً بحالها، أي بصفتها امرأة أساساً، وهذا "ممنوع" في تلك البيئة وذاك الاجتماع.
أهمية المطروح في "بيّت الحسّ" و"لمن يجرؤ" تغلب الاشتغالين السينمائيين، من دون إلغائهما بالتأكيد. أداء هيام عباس جزء من توازن جميل بين المطروح والاشتغال. أداء دور الأم فيهما غير جديد لها، لكنّ المُثير لمتابعة تمثيلها السينمائي، تحديداً، كامنٌ في ما تملكه من جاذبية، تجعلها تقول كلّ شيءٍ بصمت جميل، والصمت غالبٌ أحياناً كثيرة.
