مالك المطلبي وإعادة تعريف العلاقة بين الأدب واللسانيات
Arab
2 days ago
share
رحل، صباح أمس الخميس، الباحث والناقد العراقي مالك المطلبي عن 85 عاماً، بعدما ترك اسماً بارزاً في ذاكرة الثقافة العراقية. ويُستحضر فكرياً بوصفه تجربة لم تجد في البدايات احتواءً كاملاً داخل الإطار الأكاديمي التقليدي، إذ فشلت كليةُ الآداب في جامعة بغداد في استيعاب المطلبي وروحَه المتوثبة والثائرة، حيث كان ينبغي له أن يكون. فالدرسُ اللغوي في الآداب كان تقليدياً ومحافظاً، والتجديدُ الذي يطمح إليه المطلبي يتجاوز التجديدَ النحوي، الذي باشره أحد عمداء الآداب الرواد، مهدي المخزومي، إلى اللسانيات، والبنيوية، والأسلوبية، والسيمياء. ولعل ما بدأه المطلبي مهّد الطريقَ، أو رقّقه، لأن يكتب طالب مثلي، في أواسط التسعينيات، وفي كلية الآداب نفسها، رسالةً عن فرديناند دي سوسير، مؤسس البنيوية واللسانيات البنيوية. المطلبي ابن عائلة مثقفة قدّمت العديد من الأسماء البارزة، قدِم من حقل الأدب، فهو شاعر، ويصنَّف ضمن الجيل الذي يُعرف في تاريخ الثقافة العراقية بـ"جيل الستينيات". وفي هذا المجال نفسه، لم يكتف بأن يكون مجرد كاتب، منتج للنصوص، بل انخرط في إدارة المؤسسات الثقافية، فأسهم في العام 1969 بتأسيس وإدارة "دار ثقافة الأطفال"، التي تعد تجربة عربية رائدة في مجال ثقافة الطفل. وإلى جانب ذلك، كان المطلبي من الحالات النادرة في الثقافة العراقية التي حاول فيها مثقف أن يقيم جسراً بين حقل الأكاديمية وحقل الثقافة، اللذين كان بينهما في العراق ارتياب. وحين اقتحم حقلَ الأكاديمية، حمل معه روحَ المثقف، حيث نشأ، فانتقل من دراسة اللغة إلى التحليل اللساني للأدب، وكان أحد رواد البنيوية في العراق بحق، البنيوية في نظرية الأدب والنقد الأدبي التي تعني، باختصار، الإيمان بأن "أدبية الأدب" تتحقق من خلال اللغة، وأن على النقد الأدبي اكتشاف هذه الأدبية في لغة النص الأدبي، لا في أية حيثية خارجية. ما كان لسوى المطلبي أن يحقق هذا الجمع: مثقف وأكاديمي في الوقت نفسه، شاعر ولساني، أديب ويدرس الأدب من منظور اللسانيات البنيوية. سعى إلى تجديد اللسانيات والنقد عبر البنيوية والأسلوبية هذه الروح المتوثبة، الديناميكية، التي لا تهدأ عند حدود ما، والمصحوبة، فوق كل ذلك، بذكاء مفرط، هي مفتاح فهم المطلبي وحركته، مثقفاً وأكاديمياً، وهي التي جعلته يسعى باستمرار لأن يتجاوز الحدودَ، بما لا يقبله في العادة المثقفون التقليديون القابعون "داخل الصندوق". ومن ذلك، أنه دخل عالم التلفزيون، فكتب سيناريوهات درامية، كان أبرزها مسلسل "المتنبي"، الذي أنتجه تلفزيون بغداد في العام 1980، ليكون أحد أبرز ما قدمته الدراما العراقية والعربية. وهو مسلسل ظل غير معروف للجمهور العربي العام، على أهميته، بسبب محلية الإنتاج الفني العراقي. وأهميةُ هذا المسلسل، عند المطلبي، لا تتوقف عند إسهامه في إنتاج أثر فني مهم، بل كذلك إسهامه في "تنصيص السيناريو أدبياً"، فهو إذ نشر نصَّه لسيناريو "المتنبي" كتاباً، إنما كان يدفع نحو النظر إلى نصّ السيناريو بوصفه أثراً أدبياً. هذا إلى جانب ما يمكن أن يقدّمه المسلسل من كونه شكلاً من أشكال التمثّل والقراءة التي أنجزها المطلبي لصفحة مهمة في التأريخ الأدبي العربي. وأعتقد أنه ينبغي قراءته على وفق هذا المنظور. وكان المطلبي نفسه قد راجع وقدّم للترجمة العراقية من كتاب سوسير "محاضرات في اللسانيات العامة"، التي صدرت في أواسط الثمانينيات، أي في ذروة نشاطه البنيوي، وأنجزها عن الترجمة الإنكليزية يوئيل يوسف عزيز تحت عنوان "علم اللغة العام" (وللكتاب خمس ترجمات عربية، صدرت من 1984 - 1987، يفضّل الزملاء اللسانيون العرب التونسية، وأنا أفضّل العراقية، لا تحيزاً، بل نتيجة دراسة ومقارنة اقتضاها عملي الأكاديمي). وبسبب هذه النزعة المحافِظة التي حكمت الدرسَ اللغوي في الآداب، رحل المطلبي إلى أكاديمية الفنون الجميلة، التي قضى فيها الشطر الأكبر من حياته الأكاديمية المهنية. خسرته الآداب، وكسبته الفنون، التي كانت منفتحة - بعكس الآداب - على المناهج الحديثة في النقد ونظرية الأدب وفلسفة الفن، فانخرط المطلبي بقوة في هذا الجو، إن لم يكن هو أحد أهم صنّاعه. جمع بين الأدب والبحث الأكاديمي وكتابة السيناريو وفي عام 2001 كتبتُ أطروحتي للدكتوراه "الأسس المعرفية للنظرية اللسانية العربية: بحث في الأصول" تحت إشراف المطلبي، في الجامعة المستنصرية ببغداد. وقد حاولت في هذه الأطروحة أن أفسّر، تاريخياً وأبستيمولوجياً، لمَ قدّمت الحضارة العربية الإسلامية معرفة لغوية بهذه الضخامة. أحبَّ المطلبي هذه الأطروحة كثيراً، وقال في الدفاع عنها في المناقشة كلمة شديدة الأهمية عندي، إذ عدَّها ثاني عمل عراقي، بعد عمل مصطفى جمال الدين "البحث النحوي عند الأصوليين" (1980، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه كذلك)، يسهم في أبستيمولوجيا المعرفة اللغوية العربية القديمة، ويحاجج ما قدّمه المغاربة في هذا المجال. لا أزال أحتفظ بتسجيل المناقشة. ولشدة اعتزازي بكلمة المطلبي، فرّغتُها، وحرّرتُها، وسلّمتُه نسخة منها، لعلّه يبادر بنشرها، فأسعدُ كثيراً، ولكنه لم يفعل، في وقت كان قد قرّر عدم النشر نهائياً، موقفاً سياسياً من الحلكة التي انتهى إليها نظام البعث. ولا أزال أحتفظ بالنص بين أوراقي القديمة، وقد أبادر إلى نشره يوماً ما، وبعد أن مرّت على تلك المناقشة 25 سنة بالتمام والكمال. كنت ألتقي المطلبي لأزوّده بفصول الرسالة، ليقرأها ويراجعها، في مكانين: شركة الإنتاج التلفزيوني، حيث كان يمارس ولعه في كتابة السيناريو، التي أصبحت حرفةً لديه، وقد أسهم حينئذ في إنتاج عمل تلفزيوني مهم في تقديم المعرفة اللغوية للجمهور العام، عنوانه "أشهى الموائد في مدينة القواعد" (1999)؛ أو في أكاديمية الفنون الجميلة. بسبب نموذج المطلبي غير التقليدي، كنا نناقش المعرفةَ اللغوية العربية القديمة وسياقاتها الأبستيمولوجية في أماكن كهذه. ظل المطلبي يعمل إلى آخر حياته. وقد لفتني في السنوات الأخيرة، كتابُه عن علي الوردي وكتابه "أسطورة الأدب الرفيع"، الذي التقط فيه بصيرةَ الوردي النادرة، التي تقترب من أن تكون تأملاً (إن لم أرد أن أقول إسهاماً) في حقل اللسانيات الاجتماعية. وختم المطلبي حياتَه بعمل فاجأ الكثيرين، كتاب بأربعة أجزاء عن محمد خضير، صدر قبل أسابيع قليلة. رحل المطلبي، وقد ترك إرثاً ثرّاً، متنوعاً، كالمساحات التي جاسها وتجاوز حدودَها. ولعل عملاً ما، يستحقه المطلبي بلا شك، يستطيع أن يمنطق كل هذا التنوع والثراء في صورة واحدة. وقد يكون هذا المقال/ المرثية خطوة نحو ذلك.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows