Arab
ربّما يظنّ الجيل الناشئ أن الحروب لسوءِ حظِّه سمة مؤسفة لزمننا، بينما الحقيقة أنّنا مررنا في عُقودٍ هادئة على العموم، سوى بعض المناطق المتفجّرة، ومعظمها، لأسبابٍ معروفة، يقع في عمق منطقتنا. وما يحدث الآن هو في الحقيقة عادةُ الإنسان في البَغيِ على غيره. تاريخ الإنسان كلّه مُتخم بالحروب والنزاعات المسلّحة، وجلُّها حدث بسبب جشع دولة وتعدّيها على أخرى، أو خلاف على منطقة جغرافية أو مذهب عقائدي.
وفي الحروب أو خارجها، هناك انشغالاتٌ تنعكس على تعامل الناس معها، مع اختلاف كبير في طبيعتهم، هم الذين كان معظمهم، قبل القرن العشرين، يسكن القُرى، ولا يرى الحروب إلا إذا طَرقت بابه. بينما الآن تُرى لحظة بلحظة، حتى وهي تدور في آخر الكوكب، ويتضّرر منها أبعدهم عنها. وعلى عكس أقرانهم في المراحل السابقة من التاريخ، يمكن لتجّار الحروب الآن أن يربحوا منها ولو كانوا في الطرف الآخر من الكرة الأرضية.
كتب المفكّر الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت، في كتابه "موضوع زماننا" (نقله إلى العربية علي إبراهيم الأشقر، دار المدى، بيروت، بغداد، 2017)، أن جيله، في بدايات القرن العشرين، "من الأجيال الناكصة لأنّه قلّما عاش البشر بشكل أقلّ وضوحاً مع ذواتهم" ممّا فعلوا حينها. ماذا لو رأى أجيال العقود الأولى من القرن التالي؟ من "جيل الألفية" إلى "جيل زد"، ومعهما الأجيال التي انتقلت من القرن البائد، وفي رصيدها بضعة عقود.
في "موضوع زماننا"، كتب إي غاسيت "كلّ جيل له دعوته الخاصّة ورسالته التاريخية، وما يحدث أنّ الأجيال مثل الأفراد تنكص عن دعوتها". ويتحدّث غاسيت مطوّلاً عن الأجيال التي تعيش على ما قدّمته الأجيال السابقة. لكنّه لم يضع في حسابه أن أجيالاً قادمة ستكون خارج تصنيفه، فهي لن تعيش على الماضي، ولن تصنع ثقافتها الخاصّة.
وإذا ذهبت الأجيال المقبلة نحو التقدّم، فلن تستفيد من هذا الجيل الكثير، وإذا انحدرت أكثر، وهو المتوقَّع، فلن يكون الجيل الحالي إلا درجةً من درجات انحداره.
مع بداية الحرب في المنطقة، دخل محتوى جديد إلى السوشال ميديا، هو: حقيبة الطوارئ. آلاف الفيديوهات تشرح أهمية الحقيبة ومحتوياتها. ما أسرع مواكبة هؤلاء الناس للحياة! يعود "الفضل" للحرب التي ذهبت حيث يعيش حشدٌ من صُنّاع المحتوى (دبي)، وبالتالي فَجَروا في محتوياتها البرجوازية، فهناك عدّة إلكترونية محترمة و"باك" للعناية الشخصية، وعدّة أنواع من طاردات الحشرات، ومحفظة طبّية كاملة، و"سناكات"... هذه الحقيبة الفاخرة مُعدّة ليوم واحد، يهرب فيه الناس من بيوتهم إلى أماكن آمنة.
لن تصلح الحقيبة للُّبنانيين الذين يهربون من بيوتهم وقد لا يبقى منها ما يعودون إليه، ويحمل بعضهم جزءاً من أثاث بيته، لأنّه سيعيش نازحاً مدّةً لا يعلم بها إلا الله. أمّا الفلسطينيون، فلا داعي لذلك كلّه، لأنّهم يُبادون مع بيوتهم، ولا يحملون سوى آلامهم إلى الآخرة.
حقيبةُ الهروب مسألة جغرافية إذاً؟... لكن سلطات الخليج تنصح بالبقاء في البيوت، لأنّها الأكثر أماناً، فما الحاجة إلى الحقيبة؟ لعلّها استعارة لموضوع زماننا وهو النجاة، لكنّها نجاة ذات طبقات ودرجات وأنواع. بالضبط مثل الفيلم الإسباني "المنصة" (La Plataforma) المرعب في تصوير نظام البقاء. الذين في الدرك الأسفل، جيّد أنهم في قيد الحياة، ولا مانع إن أكلوا بعضهم أو ماتوا جوعاً، الذين في الأعلى هم الذين يملكون كل شيء، ولا يحتاجون شيئاً؛ في السِّلم أو الحرب، هو رابحون وناجون. والذين بينهم، فيهم من يصعد درجات ويقترب من الناجين الدائمين، ومنهم من ينزل، وما يحتاجه كلٌّ منهم بحسب الدرجات مختلف تماماً.
في أميركا يبني المرتابون أقبيةً ضدّ خطرٍ مستقبلي هو الحرب النووية، ولأكثر من نصف قرن، اغبرّت الأقبية، ولم تأتِ الحرب النووية التي تبيّن أنها هاجس نقلته أميركا إلى شعبها لتفسير الإنفاق المهول على التسليح؛ فمن هوسها بالقنابل النووية السوفييتية، إلى أكاذيبها بخصوص البرنامج العراقي، والآن الإيراني، صنعت بعبعاً لا وجود له.
بين حقيبة الهروب وأقبية النووي مشتركات كثيرة، أهمها عجز الإنسان أمام غرورِ مُشعلي الحروب وتبجّحهم، وجشع تُجّارها، وتحوّل النجاة "موضوع زماننا" إلى امتياز جغرافي.
