Arab
ربما يكون هذا الموقف سرياليًا بشكلٍ من الأشكال، أو قل قد اجتمعت فيه أضداد قلّما تجتمع في مكانٍ واحد، أو ربما هي لفحة من لفحات الكتابة، حاولت فيها تسجيل الموقف، لأحتفظ به، وما خطر لي، وهو ضرب من الكتابة جميل، أن توثّق من دون تكلّف ما يخطر ببالك، مهما كان السبب، وكيفما اتفقت العبارات وجاءت. وقد بدأت الكتابة، وقد كنت جالسًا عند طبيب الأسنان الذي يقوم بعمل جراحيّ لزوجتي، ولفتني أنه يُحبّ الاستماع خلال عمله، ولكوننا أول من دخل إليه في هذا اليوم، فكان الاختيار بكل تأكيد لأغاني السيدة فيروز، وكانت أولها "بكتب اسمك يا حبيبي.."، فتركت الكتاب الذي بيدي، وسرحت مع الأغنية، حتى وصلت إلى "واهديتني وردة فرجيتا لصحابي"، حتى اختلطت الأصوات عليّ، بين صوت فيروز مع الأدوات الطبية التي يستخدمها الطبيب، وحركاته يمينًا وشمالًا، وهو يأخذ شيئًا من هذه المعدات ويترك أخرى.. وتستمر الأغنية تعمل في الخلفية.
ربما يكون الواقع غريبًا بعض الشيء، وربما لا، لست أدري، ولتكتمل الغرابة كنت قبل هنيهة أقرأ مذكرات أحد قادة الكتيبة الطلابية وبعض ما مرّ مع الكاتب في أتون الحرب الأهلية في لبنان، وفي هذه المذكرات معطيات كثيرة وتفاصيل ما كنت أعرفها البتّة، ولي عودة معها قريبًا، جاءت رسالة عاجلة من واحدة من المجموعات الإخبارية عن الحرب المستعرة، فتصفّحت على عادتنا مع هذه الملهاة التي نسميها أجهزة ذكية، خبرًا عن عمليات في الجنوب، وآخر عن مواقف سياسية متباينة في لبنان، وثالثًا عن قصف لدولة الكيان، وآخر عن تصريحات ترامب التي لا تنتهي، جولة سريعة يمرّ المرء على العديد من الأخبار، قصف في إيران، ومفاوضات مزمعة، ومواقف، وفي الخلفية صوت آلة الطبيب وفيروز تغني "قمرة يا قمرة"..
تنهمر على الواحد منا في اليوم والليلة آلاف المعطيات، أخبار ومقاطع مصورة، حتى يعيش أحدنا الحروب ولو كانت في أصقاع الأرض، وآخر ربما لا يبعد القصف عن بيته إلا كيلومتراتٍ قليلة، ولكنه يعيش في قوقعة أخرى، في عالمٍ لا يعرف الحروب أو الدمار، والاثنان في عالمٍ واحدٍ. لفتني هذا التناقض في وسائل التواصل، وفي تاريخ الإنسان ما هو أغرب منه، ولا أقول عنها بأنها استثناء، فحياة المرء غرائبية من أوجه عديدة، الغرابة في ذلك التناقض الذي يكتنف كل تفاصيل الحياة، وفي أحايينٍ كثيرة الملل والرتابة من غياب الغرابة.
تستمر الموسيقى صادحةً والطبيب يعمل، "راجعين يا هوى"، تدندن بها فيروز، وكأنها أغنية أُنتجت من غابر الزمن، حتى أصبحت عصية على النسيان، لا أعلم لماذا يظل المرء مسكونًا بفكرة العودة، إلى أرضه ومنزله، إلى وطنه وأهله، إلى زمنٍ مضى وانقضى، إلى ذاكرة يأكلها النسيان، وأيامٍ لم تعد ولن تعود، عجيبة هذه الذاكرة، وهذا التحنان الدائم لكل ما مضى، ولا يعني ذلك بالضرورة أن الماضي كان أفضل أو كنا فيه أحسن وأسعد، ولكنها مشاعر الحنين الممزوجة بالمشاعر، وتلك الحالة المُعاشة، التي تحيي فينا ذلك الميل، لماضٍ كان يكتنف من أسباب التنغيص ما فيه، ولكننا نعود إليه بالخيال، وكأنه حالة شاعرية مطلقة، ربما هو اغتراب نختاره، اغتراب نحو ماضٍ أكثر هدوءًا وطمأنينةً، ربما..
لا تلمني وأنا أكتب بناءً على الأغاني التي تتلاحق، وقد لفتني التناقض بين الأغنيات الرقيقة المتتالية، وما أراه على أصابع الطبيب من الدماء، التي تنهمر، فالعمل دقيق قليلًا، وقد أخذ وقتًا طويلًا، وفي المقابل تترنم فيروز من الجهاز: "سلّملي عليه"، وبعيدًا عن سبب الأغنية الرقيق، أعود إلى الطبيب والحرب، في زمن السلم يجلس أحدنا في غرفة الطبيب النظيفة، والمعدات متوفرة ومعقمة، كل ما طلبه الطبيب يجده موجودًا حتى يتم عمله، كان طبيبًا للأسنان أو جراحًا، ولكلٍّ منهما عمل عظيم من دون شك، إلا أن صورة الطبيب، أعادتني بما فيها من نظافة وسعة ودقة، إلى حال الأطباء تحت النار وفي أتون الحروب، وعن آلاف العمليات التي تمت في غزة من دون المخدر (البنج)، وعن آلاف المرضى الذين لا يجدون حبة دواء، كأن لعنات الحرب تتجمع على المرضى من كل حدبٍ وصوب، وقد قرأت تعليقًا للطبيب الحاذق الدكتور غسان أبو ستة منذ أيام، والذي تطوع مجددًا لعلاج المرضى في لبنان مع العدوان عليه، يروي خلاله العمليات التي قام بها وعن الأطراف المبتورة لطفلة، وهي صورة أخرى لعذابات كثيرة، كان يظن الواحد منّا أنها ستتوقف، إلا أنها تستمر بأشكالٍ وصورٍ كثيرة، وقد وقفت مليًّا عند صورة الطفل الذي أطفأ ضابط العدو السجائر في جسده الصغير، لكي يُجبر والده على الاعتراف.. بين الطبيب الحاذق الماهر، والجندي السادي المتعطش للدماء، صور تزدحم وكأنهما من نسلين مختلفين، هو الفارق بين الغراب والطائر المغرّد.
كتبت سابقًا عن متابعة الحرب بعيدًا، وها هي قد عادت مجددًا، يتابع المغترب ويتلهف لمعرفة الخبر تلو الآخر، ويتحول في ليلة وضحاها إلى "حلس أخبار" بتعبير عارف حجاوي، كيف لا وهو يريد أن يعرف ما يجري في وطنه، وكيف تمرّ على أهله ولداته وأحبابه، ويظل المرء يدعو لهم بالحفظ، وألا تطاولهم أيدي الغدر، وفي الخلفية أستمع مجددًا لفيروز وهي تغني بصوتها الجميل: "لأول مرة ما منكون سوا"، لم تكن المرة الأولى التي لم نكن فيها سويًّا، ولن تكون الأخيرة، ولكن الحرب تُلقي بظلالٍ ثقيلة على المشاعر.
بين الطبيب الحاذق الماهر، والجندي السادي المتعطش للدماء، صور تزدحم وكأنهما من نسلين مختلفين، هو الفارق بين الغراب والطائر المغرّد
تنتهي أغنية لتبدأ أخرى، وكأن صوت فيروز هو الخيط الرفيع الذي يربط أفكاري ها هنا، ويُبعد عني ما يقوم به الطبيب من إجراءات طبية، وبينهما ألملم بعض شتات نفسي، وأقيّد لكم هذه الأفكار والخواطر، يُنهي الطبيب عمله تاركًا خلفه رائحة التعقيم وأصداء الآلات التي ما توقفت إلا للتوّ، وفي تلك اللحظة تباغتني السيدة بسؤالها العذب والمرّ في آنٍ معًا: "ليش منتلفت خايفين؟"، سؤالٌ يتردد صداه في زوايا الغرفة وفي حنايا التفكير، أنَخاف من غدٍ لا يُشبه أحلامنا، أم من ماضٍ يسكننا ولا نسكن فيه؟ نحن أبناء هذا الخوف، فقد نشأنا في بلادٍ لم تعرف غيره، وسيظل حالها كذلك، يذرعها الموت، ويحصد الخوف ما بقي فيها، وإننا برغم المسافات والأوطان البديلة، ما زلنا نلتفت وراءنا، نتحسس جراحنا وجراح من نُحب، وكأننا نخشى أن يسرق الوقت منا ما تبقّى معنا من ملامح ما مضى، ومن مضى..
Related News
كوكوريا: وديّة مصر مهمة للغاية
aawsat
16 minutes ago
جدول مباريات اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 والقنوات الناقلة
al-ain
19 minutes ago
توبة متمسك باللعب لمنتخب الجزائر
aawsat
22 minutes ago