Arab
لسردية تشويه الصين جذور غربية بعيدة، بدأت في القرن التاسع عشر مع ما سمي بـ"الخطر الأصفر" ثم التهديد الأحمر، وصولاً إلى عقيدة سياسية تصنفها تحدياً عسكرياً أساسياً، في تجل جديد/ قديم لأزمة صراع القوى السائدة مع الصاعدة.
- ضمن مهام عمله، يرصد نائب مدير مركز النجمة الحمراء للدراسات الاستراتيجية في الصين جيانغ قوه، الرأي العام الأميركي والعوامل المؤثرة على آرائه تجاه العلاقة مع بلاده، وكما تقول أحدث الدراسات التي أجراها في شهر مارس/آذار الماضي، بعنوان "الصين من منظور وسائل الإعلام الأميركية" فإن خطاباً يصم بكين بكونها خطراً وتمثل تهديداً لواشنطن ينمو بنسبة 57% على أساس سنوي.
توصل قوه إلى النسبة السابقة بعد تحليل مضمون لما نشر في وسائط متنوعة خلال الفترة الممتدة بين الأول من يناير/كانون الثاني 2024 وحتى يناير 2025، وبالتحديد تلك التي تشكل التيار السائد "Main stream" أي منصات واشنطن بوست، ونيويورك تايمز، ووول ستريت جورنال، وتموقعت عبارة "التهديد الصيني" في قلب الخطاب المتحفز لتعمل بمثابة رابط مشترك ومتكرر في ثنايا فكرة مركزية تتصاعد وتيرتها كلما حلت مواعيد الانتخابات الرئاسية، أو التجديد النصفي.
وبينما "لم يأت الإجماع الإعلامي على تأطير الصين ضمن الأخطار الوجودية من فراغ"، يقول قوه، إن "الأمر مقصود إذ تلعب المنصات هذه دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وكذلك السياسة الخارجية للإدارات الأميركية المتعاقبة، فضلاً عن أنها تعكس التركيز الراهن للنقاشات الأكاديمية والسياسية داخل أروقة صنع القرار ولذلك لا تنطق عن الهوى".
تماه مع الخطاب العام
يشير الموقع الإلكتروني لمكتب التحقيقات الفيدرالي، إلى مصطلح التهديد الصيني باعتباره متعدد الأبعاد سياسية واقتصادية وأمنية، لذا يشكل خطراً على العالم الغربي بأسره، وفيما يشبه رجع الصدى ردد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، النص السابق محذراً من أن الصين تسعى جاهدةً لتصبح قوةً مهيمنةً في آسيا، بحسب ما قاله في كلمة ألقاها خلال اجتماع وزراء دفاع منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في 31 مايو/أيار الماضي بسنغافورة، وهكذا لا يختلف مضمون الخطاب الرسمي تماماً عن ما تبثه وسائل الإعلام الخاصة مراراً وتكراراً وفق ما يقوله قوه.
علاوة على ذلك وعبر مقاربة أكثر شمولية، يعتقد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنوب الصين، ياو بين، أن الخطاب الرسمي والخاص يعملان بجد لتسويق سردية "شيطنة الصين" وأدواتها المبالغة في تصوير التهديد الذي يشكله صعودها العسكري والاقتصادي والتنموي، وكأنه ليس من حقها التطور.
ولسردية الشيطنة جذور قديمة، كما يوضح يوان لي شاو، أستاذ الدراسات التاريخية السابق في جامعة لياونينغ شمال شرقي الصين، مشيراً إلى أن نظرية التهديد الصيني، سيطرت على الفكر الغربي عقوداً طويلة خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، وأضاف، تاريخياً، ظهرت نسخ عديدة من نظرية التهديد الصيني، منذ بدأت في أواخر القرن التاسع عشر باستهداف العمالة الصينية المهاجرة إلى الولايات المتحدة، حيث اعتبر العنصريون البيض وجماعات المصالح العمال الصينيين تهديداً للثقافة الأميركية السائدة، مما دفع الحكومة آنذاك إلى إقرار قانون استبعاد الصينيين، الذي وقّعه الرئيس تشيستر آلان آرثر، في 6 مايو 1882، ويحظر هجرة جميع العمال الصينيين إلى الولايات المتحدة، وهو أول تشريع يطبق لمنع أفراد من الهجرة على أساس عرقي. وقد أشارت نظرية التهديد الصيني في تلك الفترة تحديداً إلى المهاجرين الصينيين، وليس الصين تاريخاً وثقافة وحيزاً جغرافياً.
عقب ذلك برزت نظرية "الخطر الأصفر" التي طرحها الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما طلب من الفنانين رسم صورة تجسد الخطر الأصفر الذي تمثله الصين، وقد انتشر في عام 1899 كاريكاتير شهير يصوّر رجلاً صينياً من أسرة تشينغ (آخر سلالة صينية حاكمة) يدوس امرأة بيضاء ممدة على الأرض تمثل العالم الغربي. وقال يوان، إن عدم فهم الثقافة الشرقية آنذاك أدى إلى تأجيج مخاوف الغرب من صحوة الصين. وأضاف بأن هذه المخاوف خلقت وسائل وأدوات معادية للصين تحولت مع مرور الوقت إلى سردية غربية عنصرية.
من الخطر الأصفر إلى التهديد الأحمر
في خمسينيات القرن الماضي، ومع بداية تأسيس جمهورية الصين الشعبية، روّجت الولايات المتحدة لـ"نظرية التهديد الصيني الأحمر". نسبة إلى الجيش الأحمر (لاحقاً سُمي جيش التحرير الشعبي الصيني) الذي قاد انتصار الشيوعيين على القوميين الصينيين في الحرب الأهلية، مؤسسا جمهورية الصين الشعبية في عام 1949. أضاف يوان لي شاو بأن اعتبار الصين الجديدة تهديداً أحمر، هو تحوير وإعادة صياغة لنظرية الخطر الأصفر. وأشار إلى أن النسخة الثانية من سردية الشيطنة قامت على افتراض أن انتصار الثورة الصينية قد يُحدث تأثيراً متسلسلاً في جنوب شرق آسيا، مما يُشكل خطراً على الأنظمة الرأسمالية.
نظرية "الخطر الأصفر" طرحها الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني
أما في الوقت الراهن وبعد التطور السريع الذي شهدته الصين منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد ترسخت فكرة صعود بكين في مقابل تراجع الغرب ما قد يعيد تشكيل النظام الدولي ويغير موازين القوى، خاصة مع نمو الاقتصاد وتطور القوات المسلحة الصينية في ظل المنافسة على الفضاء والقطب الشمالي والموارد الهامة مثل المعادن النادرة وغيرها من الثروات التي كان الغرب يحتكرها تقليديا، وتُرجم ذلك كما يقول لي شاو في قرار إدارة ترامب عام 2017، تصنيف الصين على أنها تهديد رئيسي للولايات المتحدة، مما أشعل شرارة جولة جديدة من نظرية التهديد الصيني بعد اكتسابها زخماً جديداً أساسه تضليل الرأي العام ووضع العراقيل أمام تنمية البلاد واستعادة وحدتها.
أزمة تراجع القوى السائدة
يلتقط مدير معهد الجنوب للدراسات الدولية، وانغ خه، فكرة صعود الصين وتراجع الغرب من لي شاو، فلا شك أن أسباباً عميقة الجذور وراء ترويج القوى الغربية لمقاربة التهديد والخطر بدلاً من التعاون والتفاهم، وبحسب تقييمه يعود ذلك إلى التحديات التنموية والاضطرابات الاجتماعية في الغرب، وفي هذه الحالة يصبح ترويج التهديد الصيني ملهاةً وأداةً لدرء صراعات واضطرابات داخلية.
ترويج التهديد الصيني أداةً لدرء صراعات واضطرابات داخلية
في هذا السياق لفت إلى أن أحد تجليات الصراع تعود إلى استمرار عقلية الحرب الباردة، ومع مرور الوقت تحول الأمر إلى وسيلة لكسب أصوات الناخبين، وتبرير الإنفاق العسكري على حساب مجالات أكثر احتياجاً في الغرب، يقول الأكاديمي خه مضيفاً رغم تأكيد السلطات الصينية سعيها الدؤوب لسياسة دفاع وطني غير هجومية، والتزامها بالحفاظ على السلام والاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وعدم تهديدها لأي دولة، تواصل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية والغربية شيطنة عملية تنمية الصين.
ولكن في المقابل، تمارس هذه الدول سياسات عدائية وتنخرط في حروب وصراعات ليست طرفاً فيها. وتابعنا جميعا تغيير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اسم وزارة الدفاع إلى الحرب، مما يعكس العقلية والعقيدة العدائية تجاه باقي دول العالم، ولك أن تتخيل لو أن بكين قامت بهذه الخطوة، كيف سيصور الغرب ذلك وكيف سيتم توظيفه واستثماره في إطار السردية المعادية للصين.
من هنا يلخص جيانغ قوه، العوامل الرئيسية لتأطير صورة بكين وتنميطها سلبياً، في قوة الصين العسكرية المتنامية، ونفوذها الاقتصادي المتنامي، وعدم تبعيتها للغرب. وقد ساهمت هذه العوامل الثلاثة، بدرجات متفاوتة، في تشكيل مفهوم "التهديد الصيني" وتطويره.
المطلوب صينياً
يقول ياو بين، إن وسائل الإعلام الغربية تضج بالتحيز الأيديولوجي والتغطية الإعلامية الانتقائية للصين، فتتمحور تغطية أخبارها في الإعلام الغربي حول ثلاثة عناوين: حقوق الإنسان في شينجيانغ والتبت وهونغ كونغ، وما يسمى بمسألة تايوان والتهديد الصيني المستمر لاستعادة الجزيرة بالقوة العسكرية، وطموح الصين المزعوم للهيمنة على العالم وانتزاع الريادة من الولايات المتحدة. ومع ذلك نظراً لغياب التعبير الصيني الفعال في الرأي العام الدولي، وضعف التأثير في منظومة الخطاب العالمي، لا تزال صورة بكين في الخارج غير مستقرة (تخضع للأجندة الإعلامية الغربية نزولاً وصعوداً حسب تقلبات المناخ السياسي وأطوار العلاقة)، وهذا يستدعي، حسب ياو، جهوداً مضاعفة لتسويق خطابها وتحسين صورتها عبر إحداث اختراقات في الوعي العام تقوم على تفنيد السردية الغربية من خلال تطوير الخطاب الصيني وسرديته بما يتماشى ويتلاءم مع عصر العولمة والثورة الرقمية.
هناك أيضاً حاجة ملحة إلى الاستفادة من أصوات وسائل الإعلام غير الرسمية، والباحثين المحليين والدوليين، وناشطي الإنترنت والمؤثرين، لذلك يتعين على الصين تعزيز برامج التعلم والتفاهم المتبادل بين الثقافات المختلفة، والعمل على كشف خطر عقلية الحرب الباردة للرأي العام الغربي قبل غيره، من حيث كيفية استغلالها في التلاعب سياسيا بأحواله المعيشية، بحسب ما يراه بين.
لكن المشكلة أكبر من هذا يقول جيانغ قوه، فالمنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة تعد دافعاً أساسياً لتشويه صورة الصين، لأن صعودها المتنامي في القطاع التكنولوجي يهدد المصالح الأميركية، خاصة أن بكين نجحت في توظيف واستثمار التقنيات الذكية في الصناعات العسكرية، لذلك تعمل واشنطن على إثارة قضايا التجسس الصيني، على سبيل المثال، ترهيباً للغرب من أجل دفعه نحو مقاطعة المنتجات التكنولوجية الصينية، وفرض عقوبات على الشركات الصينية بذريعة ارتباطها بجيش التحرير الشعبي، إلا أن أفعال واشنطن، خاصة في عهد ترامب، ستقضي على كل ما سبق.

Related News
«وديّات المونديال»: أوزبكستان تهزم فنزويلا
aawsat
6 minutes ago
تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
aawsat
7 minutes ago
مهند آل سعد يعود لتدريبات نيوم الجماعية
aawsat
7 minutes ago