Arab
يضرب منخفض جوي قطاع غزة المنكوب، في وقت لم تُلتقَط فيه الأنفاس بعد، عقب أشهر طويلة من الحرب الإسرائيلية المدمّرة وما خلفّته من دمار هائل وخسائر إنسانية فادحة. والمنخفض الجوي المستجدّ في القطاع بعد عصر اليوم الأربعاء، المتوقَّع امتداده لأيام، يأتي ليكشف هشاشة الأوضاع في غزة ويفاقم الأزمة الإنسانية التي يتخبّط فيها مئات آلاف الفلسطينيين ممّن وجدوا أنفسهم إمّا في نزوح بخيام مهترئة وإمّا في منازل متصدّعة لم تعد صالحة للعيش.
مع زخّات المطر الأولى، راحت تتكشّف المعاناة أكثر فأكثر، إذ لم تصمد خيام نازحي غزة في وجه الرياح والأمطار، وغرقت في وقت قصير بالمياه والطين، وذلك في مناطق واسعة من القطاع، خصوصاً تلك المنخفضة. فمياه الأمطار تسرّبت إلى داخل الخيام، واختلطت بمياه الصرف الصحي، لتخلق بيئة قاسية تفتقر إلى أبسط مقوّمات الكرامة الإنسانية.
يخبر محمود أبو شمالة، نازح يقيم في مخيم عشوائي غربي مدينة غزة الواقعة في المنطقة الشمالية من القطاع الفلسطيني، إنّ هذا المنخفض الجوي أجبر عائلته على مواجهة السيول، فراح أفرادها يحاولون بشتّى الوسائل منع وصول المياه إلى الخيمة والأمتعة التي في داخلها، إنّما من دون جدوى. ويشير أبو شمالة بحديثيه لـ"العربي الجديد" إلى أنّ المنخفضات الجوية السابقة أدّت إلى "غرق كلّ شيء"، في حين أنّ المنخفض الحالي جعل خيمته تطير نتيجة الرياح الشديدة. يضيف أنّ درجات الحرارة انخفضت منذ مساء أمس الثلاثاء، مؤكداً أنّ أطفاله قضوا الليل وهم يرتجفون من البرد، وسط غياب أيّ وسيلة حقيقية للتدفئة، ويشير إلى أنّ الخيمة التي كانت تمثل "ملاذاً مؤقتاً تحوّلت إلى عبء إضافي" يثقل كاهلهم.
ولا يؤثّر المنخفض الجوي الذي يضرب قطاع غزة على الحياة في مخيمات النازحين فحسب، بل يطاول كلّ شيء في هذه البقعة. فقد تحوّلت الطرقات التي دمّرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، التي امتدّت على أكثر من عامَين ابتداءً من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إلى برك موحلة، الأمر الذي راح يعوّق حركة المواطنين ويربك عمليات الإغاثة. وقد طاولت تداعيات ذلك الطرقات في مختلف محافظات القطاع الخمس، لتتسبّب في تحديات إضافية أمام حركة المركبات.
في هذا الإطار، يقول أحمد السباخي، سائق مركبة نقل صغيرة، لـ"العربي الجديد" إنّ الوضع "أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى"، مشيراً إلى أنّ إيصال المساعدات صار مهمّة شبه مستحيلة في كثير من الأحيان. ويخبر أنّ الرحلة التي كانت تستغرق دقائق معدودة، صارت تتطلّب ساعات طويلة، وفي بعض الحالات يضطر إلى العودة أدراجه من دون إتمام مهمته بسبب إغلاق الطرقات أو خطورتها، ويبيّن أنّ هذا الواقع يترك آلاف العائلات في غزة من دون غذاء ولا دواء، في وقت هي بأمسّ الحاجة فيه إلى دعم.
في موازاة ذلك، يعيش آلاف الفلسطينيين الذين عادوا إلى منازلهم المتضررة حالة من القلق الدائم، مع تزايد خطر انهيار هذه المباني في أي لحظة، فالمياه التي تتسرب إلى الجدران المتشققة والأسقف المتهالكة تزيد من احتمالات الانهيار، خاصة مع اشتداد الرياح.
تقول أم محمد السوسي، التي تقيم في منزل متضرّر في حيّ الشيخ رضوان بمدينة غزة، إنّ الخوف صار جزءاً من حياتهم اليومية، مضيفةً أنّ الرياح والأمطار لم تعد مجرّد ظواهر طبيعية، بل إنذارات متكرّرة لاحتمال سقوط سقف المنزل فوق رؤوسهم. وتخبر أم محمد "العربي الجديد" أنّ المياه تتسرّب من كلّ زاوية في المنزل، وأنّ أفراد عائلتها يقضون لياليهم في حالة ترقّب وقلق في غياب البديل الآمن. تضيف، بحزن: "نعرف أنّ البيت لم يعد صالحاً للسكن، لكن لا خيار آخر لدينا"، لافتةً إلى أنّ "الخيام، بدورها، لا توفّر الحدّ الأدنى من الأمان".
من جهتهم، يدفع الأطفال ثمناً كبيراً في هذه الظروف القاسية، إذ يتعرّضون لبرد شديد في الخيام أو مراكز الإيواء التي تفتقر إلى العزل المناسب، ومع نقص في الملابس الشتوية والبطانيات (الأغطية)، الأمر الذي يسهم في زيادة الأمراض، ولا سيّما تلك التي تصيب الجهاز التنفسي.
ويلفت علاء النجار، أب لثلاثة أطفال تقيم عائلته في أحد مراكز الإيواء، إلى أنّ الأيام الأخيرة تحوّلت إلى كابوس بالنسبة إلى عائلته. ويخبر النجار "العربي الجديد" أنّ أطفاله يعانون من السعال والحمّى منذ أيام، في ظلّ نقص الأدوية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، مؤكداً أنّ غرف الصفوف التي يقيمون فيها لا تقي من البرد؛ فالنوافذ محطّمة والمياه تتسرّب إلى الداخل، الأمر الذي يجعل الوضع أكثر قسوة. ويردف: "نخشى من أن يتحوّل المرض البسيط إلى خطر حقيقي"، في إشارة إلى هشاشة المنظومة الصحية في القطاع.
ويعكس هذا الواقع حجم الانهيار الذي أصاب البنية التحتية في قطاع غزة المنكوب، إذ لم تعد شبكات الصرف الصحي قادرة على استيعاب كميات المياه، الأمر الذي يؤدّي إلى فيضانات واختلاط المياه العادمة بمياه الأمطار. كذلك فإنّ انقطاع الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه مأمونة، يزيد من تعقيد الحياة اليومية، ويجعل مواجهة الظروف الجوية أمراً بالغ الصعوبة.
وهكذا، يتحوّل المنخفض الجوي من مجرّد حالة طقس عابرة إلى اختبار قاسٍ لقدرة السكان على الصمود في وجه كارثة مركّبة، تتداخل فيها آثار الحرب مع قسوة الطبيعة؛ النازحون الذين فقدوا منازلهم والمرضى الذين ينتظرون العلاج والأطفال الذين يواجهون البرد بلا حماية، جميعهم يجدون أنفسهم في مواجهة واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. ومع غياب الحلول العاجلة وبقاء الأوضاع على حالها، يُطرَح السؤال: "إلى متى يمكن لهذا الواقع أن يستمرّ من دون تدخّل حقيقي يخفّف من وطأة المعاناة، قبل أن تتحوّل هذه الأزمة الكبرى إلى ما هو أشدّ قسوة؟".

Related News
فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟
aawsat
14 minutes ago
رئيس بلدية باريس يسعى لحل بشأن مفاوضات ملعب سان جيرمان
aawsat
15 minutes ago