داخل آلة إيران الإعلامية... حرب معلوماتية شاملة
Arab
5 days ago
share
وسط الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تكتف طهران بالرد العسكري أو التهديدات الجيوسياسية، بل فتحت جبهة موازية لا تقل خطورة: حرب معلوماتية شاملة، أعادت من خلالها هندسة حضورها الرقمي جذرياً، لتصبح منصات التواصل الاجتماعي ساحة مركزية في الصراع. ووفقاً لصحيفة ذا غارديان، فإن هذه الاستراتيجية لم تكن ارتجالية، بل جزءاً من تصور أوسع لما يسميه خبراء "الحرب غير المتكافئة"، حيث تعوّض إيران فجوة القوة العسكرية عبر أدوات إعلامية وتقنية قادرة على التأثير في الرأي العام، وبالتالي في القرار السياسي. في هذا السياق، قال المدير المشارك لمختبر الأدلة الجنائية الإعلامية (Media Forensics Hub) في جامعة كليمسون، دارين لينفيل، إن ما يجري تعبئة شاملة لكل الموارد الرقمية، وأضاف أن إيران "كانت تستعد لهذا النوع من الصراع منذ نحو 50 عاماً"، وأنها اليوم "تستخدم كل ميزة تمتلكها" في هذه المواجهة. أحد أبرز ملامح هذا التحول، كما رصد التقرير، هو التخلي شبه الكامل عن الاستراتيجيات السابقة التي كانت تقوم على التسلل التدريجي إلى النقاشات السياسية الغربية عبر قضايا محلية مثل استقلال اسكتلندا أو الوحدة الإيرلندية. هذه الشبكات نفسها، التي كانت تتخفى خلف هويات محلية وتبني مصداقية على مدى سنوات، أُعيد توجيهها فور بدء العدوان الإسرائيلي الأميركي في 28 فبراير/ شباط الماضي، لتتحول إلى أدوات دعائية مباشرة تركز حصراً على الحرب. فجأة، بدأت حسابات كانت تتحدث بلسان "مواطنين" أوروبيين بنشر محتوى يندد بالهجمات على إيران، ويقدم روايات عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي بوصفه "شهيداً"، أو عن قصف مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية في مدينة ميناب الذي أدى إلى مقتل عشرات الفتيات. هذا التحول السريع، رغم فعاليته، كشف أيضاً هشاشة بعض هذه الشبكات، إذ بدا التناقض واضحاً عندما يتحول حساب يفترض أنه لـ"فتاة من مقاطعة كورك" إلى صوت دعائي إيراني صريح، وهو ما وصفه لينفيل بأنه افتقار إلى "الأصالة".  لكن العنصر الأكثر تطوراً في هذه الحملة يتمثل بالاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي، ليس فقط لإنتاج محتوى دعائي، بل لصناعة واقع بصري بديل. مقاطع فيديو وصور كثيرة جرى تداولها على نطاق واسع، تظهر ضربات إيرانية مزعومة على حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن، أو دماراً في تل أبيب، أو جنوداً إسرائيليين في حالة انهيار نفسي. هذه المواد، التي تبدو "مقنعة ظاهرياً"، صُممت لتُحدث أثراً نفسياً يتجاوز مسألة التصديق المباشر، إذ تسهم في خلق بيئة مشوشة يصبح فيها التحقق من الحقيقة أكثر صعوبة، وتزداد قابلية الجمهور لتبني روايات متناقضة.  ولا تقف الاستراتيجية الإيرانية عند حدود إنتاج المحتوى، بل تمتد إلى طريقة توزيعه واستهدافه. فبحسب التقرير، أغرقت منصات مثل "إكس" و"إنستغرام" و"بلوسكاي" بمنشورات مصممة بعناية لاستغلال حالة عدم الرضا المتزايدة داخل الولايات المتحدة تجاه الحرب، خصوصاً في أوساط قاعدة دونالد ترامب. هنا، تكمن إحدى أكثر النقاط دقة في المقاربة الإيرانية، فهي لا تسعى بالضرورة لخلق خطاب جديد، بل لتضخيم خطاب موجود بالفعل داخل المجتمع الأميركي. وأوضح الخبير في التهديدات الرقمية وحملات التأثير الأجنبي على الإنترنت، أليكس غولدنبرغ، أن هذا النموذج يقوم على "تحديد خطوط الانقسام في النقاش السياسي الأميركي وتضخيمها"، وأضاف أن إيران "لا تحتاج إلى اختراع هذا المحتوى، بل تكتفي بتقديمه وإعادة نشره". لا تحاول طهران خلق خطاب جديد بقدر ما تضخم الانقسامات وأبرز مثال على ذلك حين أعادت قناة "برس تي في" نشر مقاطع من مقابلة أجراها تاكر كارلسون مع  المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة جو كينت الذي قال إن "إيران لم تكن على وشك امتلاك سلاح نووي الآن ولا في يونيو/ حزيران الماضي (عندما هاجمها ترامب)، لم تكن تشكل أي تهديد وشيك لأمتنا. وببساطة، لا يوجد أي دليل يثبت أن إيران كانت تخطط لشن هجوم فوري، فمثل هذا المخطط لم يكن له وجود على الإطلاق". خلال ساعة واحدة فقط، نشرت القناة أربعة مقاطع من هذه المقابلة، في محاولة واضحة لالتقاط خطاب نقدي داخلي وإعادة توظيفه ضمن السردية الإيرانية.  في المقابل، كشف التقرير عن مفارقة لافتة؛ بينما توسّع إيران حضورها الإعلامي خارجياً، تفرض في الداخل تعتيماً شبه كامل على الإنترنت، وتلاحق المستخدمين الذين يحاولون الوصول إلى الشبكة عبر وسائل بديلة مثل "ستارلينك". كذلك يتحدث إيرانيون في الخارج عن تعرضهم لضغوط مباشرة، تشمل تهديدات بسحب الجنسية أو إيذاء أفراد عائلاتهم، في حال نشرهم محتوى معارضاً للنظام أو مؤيداً للحرب. هذا التناقض بين الانفتاح الخارجي والقمع الداخلي يعكس إدراكاً عميقاً لدى طهران بأن المعركة على الرواية لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض.  بالنسبة إلى إيران، تبدو هذه الحرب المعلوماتية جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية البقاء، إلى جانب الرد العسكري والخيارات التصعيدية الأخرى، وهي محاولة لإعادة تعريف ميزان القوة، ليس عبر التفوق العسكري، بل عبر التحكم بالسردية، فمن ينجح في إقناع العالم بروايته، فقد لا يحتاج إلى الانتصار في الميدان.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows