تطوّر عقيدة الاغتيالات الإسرائيلية
Arab
3 days ago
share
أثار نجاح الموساد (المخابرات الخارجية) الإسرائيلي في اغتيال شخصيات فلسطينية ولبنانية وإيرانية في العامين السابقين الذهول في أوساط المراقبين، ليس بسبب العدد الكبير للشخصيات المُستهدفة، بل الأهم بسبب أنّ المُستهدفين شخصيات عالية المستوى، تخضع لحماية أمنية سرّية مُشدّدة للغاية، بحيث يكون من المُستحيل الوصول إليها. كيف استطاعت إسرائيل الوصول إلى صالح العاروري ويحيى السنوار والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وقيادات الصف الأوّل للحزب، ثم شخصيات إيرانية، في مقدّمتها المرشد الأعلى علي خامنئي وأمين عام المجلس القومي علي لاريجاني، وغيرهما من الشخصيات الإيرانية الرفيعة التي تتحرّك بسرّية فائقة. وقد أعادت هذه الاغتيالات الاهتمام بهذا النهج الذي تتبعه إسرائيل، على مستوى الدلالات، وعلى مستوى النتائج السياسية المرجوّة منها. تحوّلات في العقيدة الاغتيال مصطلح يصف عملية قتل مُنظّمة ومعدّة مُسبقاً في ذهن القاتل، بغرض استهداف شخصية لها تأثيرها على الخصم، سواء أكان هذا التأثير أمنياً، أو سياسياً، أو فكرياً، أو علمياً. يعود تاريخ الاغتيالات الإسرائيلية إلى ما قبل النكبة عام 1948، لكنها كانت أقلّ احترافية وأكثر ضرراً، لأنها كانت تستهدف أفراداً ومجموعات في الوقت نفسه بغرض تهجير الفلسطينيين من أرضهم. ومع الوقت، تحوّلت الاغتيالات التي تنفّذها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين، ثم العرب، إلى نهج مستمرّ يسمح لها باستهداف الشخصيات الخطرة في أيّ مكان، وشيئاً فشيئاً أصبح الموساد المُكلّف بهذه المهمّة اليد الطولى، إلى جانب الجيش الإسرائيلي، في الوصول إلى الأهداف المطلوبة. انتهت عملية ميونخ بمقتل الرياضيين الإسرائيليين الأحد عشر، وأدّت إلى تطوير في عقيدة الاغتيالات الإسرائيلية كان 1972 عاماً مفصلياً في عقيدة الاغتيالات، وهو العام الذي نفّذت فيه منظمة أيلول الأسود الفلسطينية عملية احتجاز رهائن إسرائيليين (رياضيين) خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية بين 5 ـ 6 سبتمبر/ أيلول عام 1972 في مدينة ميونخ الألمانية، للضغط على إسرائيل من أجل الإفراج عن 236 أسيراً في سجونها، إضافة إلى الأسير الياباني كوزو أوكاموتو المعروف باسم أحمد الياباني، المُنتمي للجيش الأحمر، والذي اشتُهر بتنفيذه، مع زميلين يابانيين (تسويوشي أوكودايرا، ياسويوكي ياسودا)، عملية استهدفت مطار اللد (بن غوريون) عام 1972 لمصلحة القضية الفلسطينية، وأدّت إلى مقتل 26 إسرائيلياً. انتهت عملية ميونخ بمقتل الرياضيين الإسرائيليين الأحد عشر، وأدّت إلى تطوير في عقيدة الاغتيالات الإسرائيلية، فسمّيت العقيدة الجديدة عقيدة ميونخ، تحت إشراف رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير. وشُكّلت لجنة عُرفت باسم لجنة "الإكسات"، مُكوّنة من الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، بهدف وضع قائمة بالشخصيات التي يجب اغتيالها، وكانت مسؤولة عن عملية ميونخ. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت السياسة الأمنية الإسرائيلية تقوم في هذا الشقّ على استهداف أيّ شخص يكون مسؤولاً عن سقوط دم إسرائيلي في أيّ مكان في العالم. بدأت العملية الإسرائيلية التي حملت اسم "غضب الله" باغتيال ممثّل منظمة التحرير الفلسطينية في روما وائل زعيتر في أكتوبر/ تشرين الأول 1972، ثم اغتيال محمود الهمشري؛ ممثّل المنظّمة في باريس في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، ثم اغتيل باسل الكبيسي (عراقي) وحسين البشير ومحمد بودية (جزائري)، وكانوا من الفاعلين في المقاومة الفلسطينية، في الأشهر التالية في أوروبا، واغتيال محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في عملية إنزال برمائية لمجموعة إسرائيلية في بيروت، هاجمت أحد المقارّ الفلسطينية، ثم اغتيال أبو علي حسن سلامة قائد القوّة 17 في بيروت عام 1979. تحوّلت اغتيالات إسرائيل بحقّ الفلسطينيين، ثم العرب، إلى نهج مستمرّ يسمح لها باستهداف الشخصيات الخطرة في أيّ مكان كانت هذه العمليات تتويجاً لعقيدة ميونخ التي عبّرت عنها مائير بكلّ وضوح، حين قالت "لا يمكن أن تقتصر حربنا ضدّ الإرهابيين العرب على الدفاع والحراسة، بل يجب أن تكون حرباً فاعلة بكشف هوية القتلة وقادتهم، وإحباط خططهم، وتدمير تنظيماتهم"... بعبارة أخرى، لم تعد الاغتيالات بعد عملية ميونخ مرتبطةً بردّ الفعل الإسرائيلي على عملية أو هجوم فلسطيني أو عربي، بل العمل مُسبقاً على استهداف الشخصيات التي تحمل في ذاتها تهديداً مُحتملاً لإسرائيل، وهذا ما عبّر عنه آنذاك يوفال ديسكن نائب رئيس الشاباك (المخابرات الداخلية)، بالقول إنّ العقيدة الجديدة تقوم على قرار سياسي مُسبق لإحباط تهديد وشيك. مع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، ثم الانتفاضة الثانية عام 2000، عادت إسرائيل إلى توسيع عمليات الاغتيال، وبسبب ضغوط دولية، عملت على تقنين الاغتيالات وشرعنتها عبر استخدام لغة مُلطّفة للقتل الشخصي. وكانا القتل المُستهدف أو الإحباط الموضعي مُسمّيين أطلقتهما إسرائيل على عمليات الاغتيال للتهرّب من المسؤوليات القانونية. واستمرّت الاغتيالات بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، خصوصاً ضدّ المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، مثل اغتيال قائد القسام أحمد الجعبري عام 2012، واغتيال بهاء أبو العطا القيادي العسكري البارز في حركة الجهاد الإسلامي عام 2019. تأثير "طوفان الأقصى" مع صدمة عملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023) شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحوّلاً جذرياً، بما فيها سياسة الاغتيالات. كان التحوّل كبيراً من سياسة الاغتيالات الفردية إلى سياسة الاغتيالات الجماعية، مع إهمال الأضرار الجانبية وعدم أخذها بالاعتبار، والمقصود أعداد الذين يُقتلون إلى جانب الأشخاص المُستهدفين. لم يعد الاغتيال هذه المرّة محصوراً بشخص بعينه يُشكّل تهديداً مُحتملاً أو مسؤولاً عن عمليةٍ ما ضدّ إسرائيل، بل أصبحت عمليات الاغتيال تستهدف كامل طاقم المنظّمة محلّ الاستهداف، وهو ما جرى في غزّة حين ارتكبت إسرائيل سلسلة من جرائم الاغتيالات لقادة المقاومة الفلسطينية (أيمن نوفل، أحمد الغندور، مروان عيسى، روحي مشتهى، سامح السراج، صالح العاروري، فائق المبحوح، إسماعيل هنيّة، يحيى السنوار، حذيفة الكحلوت، مروان عيسى، رافع سلامة، محمد الضيف، صلاح البردويل، إسماعيل برهوم، ...). هدف استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية إلى اجتثاث كلّ مقومات التهديد البشري الذي تتعرّض له إسرائيل انطبق الأمر كذلك على حزب الله (وسام حسن طويل المعروف باسم الحاج فؤاد، طالب سامي عبد الله المعروف باسم الحاج أبو طالب، محمد ناصر، فؤاد شكر، إبراهيم عقيل، أحمد وهبي، إبراهيم قبيسي، محمد حسين سرور، علي كركي، حسن خليل ياسين، نبيل قاووق، الأمين العام للحزب حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، هيثم علي الطبطبائي، عباس حسن كركي، حسن عباس عز الدين، خضر سعيد هاشم، ...). لم تكن إيران الدولة مُستثناة عن هذا التحوّل (القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة محمد باقري، قائد مقر خاتم الأنبياء التابع لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، غلام علي رشيد رئيس هيئة أركان القوات المسلحة قبل محمد باقري، العميد حاجي زاده، قائدا القوة الجو ـ فضائية لحرس الثورة، اللواء داوود شيخيان قائد الدفاع الجوي في القوة الجو ـ فضائية، اللواء محمد كاظمي رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، علي شمخاني مستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى الإيراني، عزيز ناصر زاده وزير الدفاع، محمد باكبور قائد الحرس الثوري، عبد الرحيم موسوي رئيس أركان الجيش، علي خامنئي مرشد الثورة، علي لاريجاني رئيس جهاز الأمن). يتضح من هذا الاستهداف للعدد الكبير من الشخصيات أنّ استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية تهدف إلى اجتثاث كلّ مقوّمات التهديد البشري الذي تتعرّض له إسرائيل، وهذا يتطلّب اغتيال كلّ الشخصيات المؤثّرة في حركة حماس وحزب الله والدولة الإيرانية، بحيث يؤدي اغتيال قادة الصفين الأوّل والثاني إلى إحداث حالة رعب تدفع الصف الثالث إلى الاعتدال تجاه إسرائيل. ولم يعد مُهمًا، لتحقيق هذا الهدف، مدى عدد الأشخاص الجانبيين الذين سيُقتلون في الهجمات الإسرائيلية. دلالات الاغتيال تشير عمليات الاغتيال هذه إلى المستوى التكنولوجي العالي جدّاً الذي تمتلكه الاستخبارات الإسرائيلية، والذي يتطلّب جمع عدد هائل من البيانات وغربلتها ضمن شبكة خوارزميات مُعقّدة. ووفقاً لتحليل قدّمه الموقع العبري "لوكل كول" ومجلة "+972"، يعتمد نظام "لافندر" على الذكاء الاصطناعي في تتبّع أسماء كلّ شخص تقريباً في غزّة، وهو يجمع بين مجموعة واسعة من المدخلات الاستخباراتية، من عروض الفيديو ورسائل الدردشة التي جرى اعتراضها مروراً ببيانات مواقع التواصل الاجتماعي وصولاً إلى تحليل بسيط للشبكات الاجتماعية، لتقييم احتمال أن يكون الفرد مُقاوماً. تُرك الأمر للجيش الإسرائيلي لتحديد هامش الخطأ عند 10%، قبل تمرير المعلومات إلى فرق العمليات لإصدار أمر التنفيذ، حيث يفضّل استهداف الأشخاص في منازلهم، بغضّ النظر عن الضحايا الأبرياء، كالأهل والجيران، وهو ما طرح، خصوصاً في قطاع غزّة، ما إذا كانت هذه الاغتيالات ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وإضافة إلى هذا التطوّر التكنولوجي، نجحت إسرائيل في زرع عملاء على الأرض، فاغتيالاتٌ كثيرة جرت نتيجة معلومات جاءت من أرض الميدان، سواء في غزّة أو لبنان أو إيران، فمثلاً جاء اغتيال علماء إيرانيين ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيّة (في أثناء زيارته طهران في 31/7/2024) نتيجة عمل ميداني داخل إيران. كشفت حرب الاغتيالات حجم الهوة التكنولوجية لمصلحة إسرائيل لا يُشير هذا كلّه فقط إلى المجهود الكبير الذي عملت عليه إسرائيل منذ سنوات طويلة، بل أيضاً إلى فشل الأطراف المقابلة في تطوير بنية استخباراتية قادرة على منع الاختراق الإسرائيلي، أو على الأقل الحدّ منه. وإذا كانت الحرب العسكرية الإسرائيلية في غزّة ولبنان وسورية وإيران قد كشفت اختلال الموازين العسكرية لصالح إسرائيل، فإنّ حرب الاغتيالات كشفت أيضاً حجم الهوّة التكنولوجية بين الجانبين لمصلحة إسرائيل، وكشفت أيضاً مدى الإصرار والإرادة والجهد الإسرائيلي للعمل، وضعف العمل الجمعي العربي والإقليمي وهشاشته. هل حقّقت إسرائيل أهدافها؟ تُعتبر استراتيجية الاغتيالات مُكمّلة للحرب العسكرية التي تخوضها إسرائيل ضدّ خصومها، وبديلاً منها في مراحل ما بين الحروب. وفي الحالتين، من وجهة نظر إسرائيل، حُقّقت الأهداف من هذه السياسة، وهي: 1ـ إلحاق ضرر بالغ بالتنظيم أو الدولة المُستهدفة وشلّ قدرته على التحرّك وتنفيذ هجمات مضادة، وإن مؤقتاً. 2ـ إحداث انشقاق في صفوف التنظيم أو الدولة المُستهدفة، بين تيار مُتشدّد هو المسؤول عن ردّ الفعل الإسرائيلي، وآخر مُعتدل، بما يؤدّي إلى خللٍ في منظومة صنع القرار، وبالتالي إمكانية نشوء صفٍّ جديد أكثر براغماتية وأقلّ أيديولوجية. 3ـ الآثار النفسية الانعكاسية لعمليات الاغتيال، لا على صعيد القادة فحسب، بل أيضاً على الصعيد الشعبي، حيث تضعضعت أسطورة القوّة وتضعضعت الثقة بالمؤسسة أو المُنظّمة. غير أنّ الواقع يدحض الرؤية الإسرائيلية هذه، إذ أظهروا، حركة حماس وحزب الله وإيران، تشدّداً أكثر بعد عمليات الاغتيال هذه، بغضّ النظر عن قدرات كلّ من الأطراف الثلاثة على ترجمة هذا الغضب إلى واقع ملموس على الأرض. وقد أعلنت "حماس" أنّ اغتيال أمينها العام يحيى السنوار سيؤدي إلى "إلهام روح الصمود والصبر والمثابرة والمقاومة داخل الحركة"، فيما أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بعد اغتيال حسن نصر الله، "إن إسرائيل ستدفع ثمناً باهظاً". أما في إيران، فقد دعا المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى "الاستفادة من جميع الإمكانات لإغلاق مضيق هرمز، والتحرّك في جميع الميادين الرخوة للأعداء". وأعلن الرئيس مسعود بزشکیان أنّ "العدو تصوّر بأنه عبر اغتيال المرشد علي خامنئي وقادتنا العسكريين ستنهار البلاد". ما قامت به إسرائيل منذ اليوم التالي لـ "طوفان الأقصى" انعكاس لحرب وجودية كامنة في عمق العقل الإسرائيلي ظهرت في إسرائيل أصوات لا تكتفي بتفنيد الجدوى الإسرائيلية من هذه الاغتيالات، بل تعتبر أنها تزيد من الأزمات ومن الحروب ومن التشدّد لدى الأطراف المُقابلة، وقد كتب المحلّل العسكري ألون بن دافيد أنّ سياسة الاغتيال تقود إلى نتائج عكسية، فتعمل على توسيع دائرة العنف، ولن تُنهي ما تصفه إسرائيل بالإرهاب ضدّها، ولن تقضي على ما وصفهم بالإرهابيين الذين يجرى استبدالهم بآخرين. وفي أحسن الأحوال (يتابع بن دافيد) قد تدخل بعض المنظمات في حالة فوضى مدّة إذا كان المُستهدف شخصية مركزية في منظمة يعتمد وجودها على هذه الشخصية، قبل أن تستعيد عافيتها وربّما تصبح أكثر قوّة وتنظيماً. خلاصة على الرغم من الزلزال الذي أحدثته عملية طوفان الأقصى في إسرائيل، دولة ومجتمعاً، فإنّ السلوك الإسرائيلي المُضاد لم يكن مجرّد رد فعل، ولا مجرّد تغيير استراتيجي في التعاطي مع الأعداء كي لا تتكرّر مثل هذه العملية المُرعبة. فما قامت به إسرائيل منذ اليوم التالي لـ "طوفان الأقصى" انعكاس لحرب وجودية كامنة في عمق العقل الإسرائيلي، وقد عبّر عزمي بشارة عن ذلك مُبكّراً، حين قال لصحيفة السفير اللبنانية عام 2001 إن "اغتيال إسرائيل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى يؤكد مجدّداً أن الصراع هو صراع وجود". لم تكن مهمّة هذه المطالعة الإجابة على سؤال: ما العمل؟ لكن الواقع الجديد الذي فرضته إسرائيل على المنطقة، ثم السلوك الإيراني تجاه دول بلدان الخليج العربي، يطرحان هذا السؤال مجدّداً وبعمق: ما العمل؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows