Arab
يفتقر أحياناً إلى نص يصف الحالة الغريبة التي يعيشها لبنان، لا تسير الأمور على ما يرام منذ سنوات طويلة، وتهدد يوميات الحرب اللبنانيين بوضعهم الإنساني ونظامهم السياسي. ويتزامن هذا مع أعمال القصف، خرائط، أسهم، صور، مبانٍ محاطة بخطوط حمراء، أوامر إخلاء على الهواتف، حركة نزوح تصل إلى درجة النكبة على قارعات الطرق مع كل المتاعب الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والأمنية. كذلك تهدّد الحرب مصير فكرة استثنائية "لبنان الكبير"، بحدوده التاريخية العام 1920، بكونه نموذج كيان يعصف به بغضب عبثي مكتمل في قصة حرب مستمرّة منذ نصف قرنٍ ونيف، وفي مواجهة الوقت الحاضر المأساوي بين حدّي الاجتياح/ النزوح، والحرب الأهلية.
يواصل الجيش الإسرائيلي عدوانه، يغزو جنوب لبنان يقصف الجسور وقلب العاصمة بيروت، ويمارس ضغوطاً على السلطة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، وتوقيع اتفاق سلام بشروطٍ مذلّة. في وقتٍ يواصل فيه حزب الله مقاومته على الأرض، مستعيداً عافيته بعكس ما انتهى إليه من ضعف في حرب 2024، رافضاً تنفيذ نزع سلاحه، ولو على حساب سيادة الدولة اللبنانية ومبرّرات وجودها، مجازفاً بتكرار المآسي بعد انسحاب الاحتلال عام 2000 باحتلال جديد، وبمنطقة عازلة في الجنوب مع مخاطر نزوح سكاني هائل، بدأ يُحدِث توتراتٍ قوية مع مكونات الداخل، ومخاطر اشتباكات مع الجيش اللبناني، وعودة محتملة لأعمال العنف والاغتيالات، أو سيناريو فوضى مؤثرة على نحو متكرّر في ما بدا في عام 2004 بأن قرار مجلس الأمن 1559 ينحو في طلب نزع سلاح المليشيات واستعادة السيادة اللبنانية.
تمثل مبادرة عون خطوة كبيرة في لحظة ما ضرورية، لكن متعثرة
ليس هذا تفصيلاً عابراً في يوميات السياسة والحرب، بل لحظة امتحان وطني حاسمة تقف فيها البلاد على حافة خيارين: الإنقاذ أو الانزلاق نحو التفتيت والتجزئة، إذا لم تنجح عملية الانتقال إلى مرحلة تنفيذ عملية حصر سلاح حزب الله، حيث تترقّب الإدارة الأميركية ما ستفعله بيروت. فيما إسرائيل تواصل ضرباتها العسكرية الواسعة التي تستهدف ترسانة حزب الله، وتهدّد البنى المدنية بضوء أخضر أميركي هذه المرّة. والسؤال، إذا ما كانت السلطة قادرةً على تنفيذ قراراتها، وإذا كانت تمتلك المساحة ليمضي رئيس الجمهورية جوزاف عون بطروحاته عن المفاوضات المباشرة، وتحمّل كلفة إنقاذ الوطن بدل الهروب نحو الأمام. ذلك أن "الحل الوحيد لإنهاء الصراع في لبنان يمرّ عبر التفاوض"، وفق جان إيف لودريان، الدبلوماسي الفرنسي الذي يعرف ماذا فعله المجتمع الدولي منذ 40 عاماً، وما الذي لم يفعله. ولبنان (اليوتوبيا الصغيرة) كان يحترق دائماً في ظل سلطة مركزية بيروقراطية، لا تتردّد في فعل أي شيءٍ من الزخارف السياسية وإخفاء الحقائق. ثمّ صب الخرسانة على التلاعب ببعض الحيل السياسية لدفن فكرة الكيان السياسي نهائياً، حيث لم يعد ينفع الترقيع بالمراوحة بين الحرب والسلام وعلى طريقة تجميلية وبشكل عادي. وهذه ليست الحرب نفسها مع صعوبات إعادة الإعمار (غياب النموذج التقليدي العربي الداعم مالياً)، والمستقبل المجهول مع قابلية الانفجار الاجتماعي، وفوضى تطبيق القرارات بشكلٍ انتقائي بخلاف ما كرّسه اتفاق الطائف 1990.
لذلك، تمثل مبادرة عون خطوة كبيرة في لحظة ما ضرورية، لكن متعثرة، تواجه عوائق وتحدّيات، منها الانشغالات العربية بالاعتداءات الإيرانية، وعدم نضج ملامح إنهاء الحرب. وهي تحتاج تحديد مرجعية التفاوض وضمان غطاء عربي ودولي على غرار "الميكانيزم"، لتنفيذ إسرائيل التزاماتها في ما يخصّ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وبإطار مرجعي لإتفاقية الهدنة 1949، التي تعمل اسرائيل على تجاهلها وتعديلها بشكلٍ غير متوازن، مع الإجراءات والالتزامات لجهة الموقف الصارم والعملي لتنفيذ الحكومة اللبنانية قراراتها بشأن حصرية السلاح.
مزيج من الحزم والسياسة قد يكون الطريقة الوحيدة لوقف العدّ التنازلي المروّع لسقوط الكيان اللبناني أو القول: "وداعاً لبنان الكبير"
خلف هذا المشهد، يقف حزب الله أمام مسؤولياته التاريخية، إما مساعدة الدولة وإما الدفع نحو حربٍ مفتوحةٍ سيكون لبنان، بجغرافيته وخرائطه القديمة، أحد ضحاياها الحقيقيين، بانتظار حلول الآخرين، بعد المعاناة من حروبهم. في وقتٍ لم تعد السلطة السياسية تملك ترف الوقت في مواجهة التهديد بتنويع عمليات إسرائيل الحربية وتوسيعها، والشعب منقسمٌ في حالة عنف مليئة بخطاب الكراهية على مشارف صدام داخلي، وذريعة لأطرافٍ أخرى لشلّ القرار الوطني الجامع والنزوع نحو الفدرالية أو اللامركزية الإدارية، التي تعكس رغبة اليمين المسيحي في الانفصال، أكثر منها رغبة حقيقية في إدارة التعدّدية وتجاوز القضايا الاقتصادية والإدارية، حيث تتداخل فيها السياسة بشكل أساسي. ويخشى من الانزلاق نحو الانقسام وتقليص الدولة بما لا يخدم ديمومة الوجود اللبناني، وبمثابة اعترافٍ ضمنيٍّ بنظام الزعماء في مناطقهم، والتنافس في السيطرة والتجمع حول نزاعات طائفية تسحب أكبر حصّة من الدولة نحو مناطقها. فتتفكّك الأخيرة إلى دول صغيرة، ما يعني فشل بناء الدولة - الأمة وتوطيدها في ظل الخريطة الجديدة للشرق الأوسط. وما يسمح بالتخلّص من حزب الله بالتستر وراء خطاب اللامركزية، لكن الفدرالية لن تحلّ مشكلة المليشيات المسلحة الموازية، فالتعايش ليس حيادياً، بل شراكة في مرحلة حاسمة، تتفجر حول مسألة نزوح نحو مليون شخص وفق المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، دفعوا إلى مغادرة منازلهم من الضاحية، كما من جنوب البلاد والبقاع. وبدأ الناس يخشون سيناريو غزّة 2، ما يعطي معنى الرحيل وعدم العودة إلى قراهم، وقد تكون الحرب الأخيرة التي يطلقها حزب الله.
مع ذلك، تقوم حكومة القاضي نواف سلام بنشاط دبلوماسي مكثف بهدف الوصول إلى رؤية لإنهاء الحرب وإرساء تسوية سياسية شاملة، مع أن تصريحات الرئيس عون تحتاج إلى تفسير في موضوع الاعتراف بإسرائيل، ما يطوي صفة تاريخية كاملة من دعم القضية الفلسطينية في تسوية غامضة بات الجميع يلجأ إليها في طريق مسدود، أخلاقي وسياسي وحقوقي في آن واحد، وبدأت تظهر مخاطر رغبة أولية أميركية وإسرائيلية بالوصاية على لبنان.
إنه مسلسل لبناني درامي طويل جداً في ظروفٍ لم يعرف لها وبخسائر كبيرة، نحو مليار دولار منذ 2 مارس/ آذار الجاري، عدا الأضرار غير المباشرة. والواقع اللبناني أسوأ بكثير مما كان عليه في عام 2006، وما بعد 2024، وبوضعية عسكرية لحزب الله وضعتها الدولة في خانة "غير قانونية"، محدّدة بسقفٍ ما أعلن عن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة. وهو ما يقيم قطيعة شبه كاملة مع ما يرفعه الحزب من شعارات، أو منطق الحرب في سياق الربح والخسارة في إطار الردع بناءً على كسب ميداني في ظرف تتعرّض فيه إيران لحرب إبادة، وتبدو غير قابلة للتراجع والإبقاء على نفوذها في الشرق الأوسط. بل بالتكلفة الباهظة على اللبنانيين المنهكين والمحبطين والبائسين مما جنوه من "حروب الآخرين على أرضهم" ومن العالم بأسره. وهي أيضاً حروبهم الذاتية، استمراراً منطقياً لعجز السياسة في تنفيذ إجراءات الحياد (نموذج لم يعد قادراً على العمل وحده بعد حروب 2024 و2026)، والانزلاق إلى مواجهة بين حزب الله والجيش ليس وهماً، حين يتعلق الأمر بالإرادة السياسية، وليس بالقدرة القتالية أو الفعالية. ثمّ إن العدو الإسرائيلي، هذه المرّة، شيءٌ آخرغير عامي 1982 و1985، ولم يُخفِ ذلك في تصريحاته: "سيدفع لبنان ثمناً باهظاً، بشكل متزايد لتأخّره في نزع سلاح حزب الله". ولذلك، إن مزيجاً من الحزم والسياسة قد يكون الطريقة الوحيدة لوقف العدّ التنازلي المروّع لسقوط الكيان، أو القول: "وداعاً لبنان الكبير".
