المعركة على "أونروا"
Arab
4 days ago
share
طوال عقود اللجوء (المستمرّ)، شكّلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين، ودخلت في نسيج المجتمع الفلسطيني، وصارت جزءاً من ذاكرته الجمعية. لذا، لا تعني محاولات تصفيتها وقف خدماتها فقط، بل محاولة محو بعديْها الرمزي والحقوقي. وليست أزمة الوكالة مجرّد أزمة تمويل، ولا هي خلافٌ بشأن أداء مؤسّسة أممية، بقدر ما هي اختبار مباشر لمصير اللاجئين الفلسطينيين، ولما تبقّى من حدّ أدنى من الاعتراف الدولي بحقّهم في العودة. لم تكن "أونروا" منذ قيامها في العام 1949 مؤسّسةً إغاثيةً محضة، إذ أصبحت شاهداً إدارياً وإنسانياً وقانونياً على اللجوء الفلسطيني منذ 1948. واستهدافها لا يعني فقط تقليصاً لخدمات التعليم والصحّة والإغاثة، بل هو أيضاً ضرب للبنية الرمزية والسياسية التي تذكّر العالم بأن قضية اللاجئين لا تزال من دون حلّ. صحيح أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد جدّدت في ديسمبر/ كانون الأول 2025 ولاية الوكالة حتى 30 يونيو/ حزيران 2029، في إشارة واضحة إلى أن المجتمع الدولي ما زال، من حيث المبدأ، يعترف بالحاجة إليها، لكنّ هذا التجديد القانوني لم يوقف التدهور السياسي والعملياتي الذي يحاصر الوكالة. سعى الاحتلال الإسرائيلي، عقوداً، إلى تصوير "أونروا" جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الاستجابة الدولية لها. ومنذ مؤتمر مدريد للسلام في أوائل التسعينيّات، تصاعد الخطاب الإسرائيلي يحمّل الوكالة مسؤولية "إدامة" قضية اللاجئين، قبل أن يتحوّل هذا الخطاب تدريجياً إلى مسار تشريعي وميداني يستهدف وجودها نفسه. وفي عام 2025، ثم مع تعديلات إضافية في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، مضت إسرائيل في تشريعات وإجراءات استهدفت إنهاء عمل الوكالة في القدس المحتلة، ما أفضى إلى إغلاق قسري لعدد من مدارسها ومنشآتها، فيما أكّدت الوكالة أن مقرّها هناك تعرّض للاقتحام والتخريب والحرق. في غزّة، وإلى جانب أن الوكالة أصبحت ضحية حملة سياسية، صارت أيضاً هدفاً مباشراً، دمّرت أو تضرّرت منشآتها، وقتل عاملون معها، ومُنع موظفوها الدوليون من دخول الأراضي المحتلّة، واستمرّت قيود إسرائيل على إدخال المساعدات والكوادر الإنسانية، ما يكشف أن البنية التي طالما تكفّلت بالحدّ الأدنى من الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين تتعرّض للتفكيك المنهجي. ولا يبالغ المفوّض العام للوكالة، فيليب لازاريني، الذي يتحدّث ("سحق أونروا يُنذر بعهد مظلم للسياسة الدولية"، "العربي الجديد"، 23/3/2026) من داخل المؤسّسة التي تتهاوى تحت ضغط النار والسياسة، فيقول إن "أونروا وصلت إلى نقطة الانهيار"، ويربط بين مصيرها ومصير النظام الدولي نفسه، في الوقت الذي يكافح فيه العالم للخروج من مستنقع غزّة، وتهدّد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بابتلاع المنطقة بأسرها، ما يقودنا إلى السؤال: إذا كان ممكناً سحق مؤسّسة أممية في وضح النهار، ومن دون محاسبة، فماذا يبقى من فكرة القانون الدولي أصلاً؟ الأخطر هو الفراغ السياسي والقانوني الذي يترتب على اختفاء "أونروا"، فمع أنها لا تحمل "تفويضاً سياسياً. غير أن تسجيلها للاجئين، وأرشيفها الذي يوثّق تهجيرهم التاريخي، يشكّلان جزءاً أصيلاً من حماية الحقوق الفلسطينية في إطار تحديد قضايا الوضع النهائي". ليس للوكالة موازنة أممية ثابتة، بل تعتمد أصلاً على التبرّعات الطوعية، ما يجعلها شديدة الهشاشة أمام الابتزاز السياسي وتقلّبات المانحين. مع ذلك، الحديث عن بدائل للوكالة ليس أكثر من تبسيط مضلِّل ومخلّ، فلا مؤسّسة أخرى تملك شبكاتها البشرية وخبرتها وبنيتها التشغيلية، ولا جهة أخرى تستطيع (في المدى المنظور) أن تحلّ محلّها من دون فوضى واسعة. لازاريني نفسه، كما يذهب في مقاله، أكّد في رسالة إلى رئيس الجمعية العامة ضرورة الاستفادة من خبرة الوكالة وقواها العاملة في تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803، محذّراً من تكرار خطأ تفكيك الإدارة المدنية كاملةً كما حدث في العراق عام 2003. ليس الدفاع عن "أونروا" دفاعاً عن بيروقراطية أممية، بل عن آخر شاهد دولي على أن اللاجئ الفلسطيني صاحب حقّ مؤجّل، فسقوطها يعني ضربة سياسية ومعنوية كُبرى لقضية اللاجئين، تمحو حقّ شعب كامل من السجلّات والوعي والسياسة، في خطوة تعيد تعريف القضية الفلسطينية نفسها. هنا المعنى الحقيقي للمعركة على "أونروا" اليوم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows