Arab
في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، كانت ألمانيا على حافة الانهيار بعد الحرب العالمية الأولى التي هشّمت الدولة، وجعلتها تنزلق نحو حرب أهلية. حينها، قدم عالم الاجتماع ماكس فيبر (1864- 1920) محاضرتين شديدتي الأهمية في جامعة ميونخ، هدفهما تفسير معنى أن تكون عالماً، ومعنى أن تكون سياسياً، وقد اعتبرتا بعد عقود من وفاته "نبوءة فكرية" تلامس التحديات المعاصرة في مجالي العلم والسياسة.
في عام 2019، تحولت المحاضرتان إلى كتاب حمل عنوان "العالِم والسياسي"، والذي لا يزال حتى يومنا هذا أحد أبرز الدعوات الأكاديمية للتفكير النقدي، إذ يضعنا أمام مرآة تعكس التحديات التي يفرضها العمل السياسي على البحث العلمي، وما يعنيه أن يكون المرء عالماً أو سياسياً في عالم يتسم بكل هذا التعقيد.
وتكمن أهمية كتاب "العِلم والسياسة بوصفهما حرفة"، حسب عنوان ترجمته العربية التي أنجزها أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية جورج كتورة (المنظمة العربية للترجمة - 2010)، في حقيقة كون العلم والسياسة وجهين لعملة واحدة، وهو يطرح أسئلة مهمة حول الحدود الفاصلة بين العقل والإرادة، وبين المعرفة والقوة، وبين الحقيقة والسلطة.
ولا تزال هذه الأسئلة مطروحة، وبلا إجابات نهائية حتى اليوم، ما يؤدي إلى خلط واسع في المفاهيم. كمثال توضيحي، يتولى العالم إنتاج الأسلحة، ومنها أسلحة الدمار الشامل، لكنه لا يستطيع أن يقرر زمان أو مكان استخدامها، فهذا دور السياسي.
بدأ فيبر المحاضرة الأولى "العلم كحرفة" بصك مفهوم "نزع القداسة"، والذي يعني أن الظواهر الطبيعية لا يصح تفسيرها عبر الأساطير، أو نسبتها إلى قوى خفية، وإنما بالاعتماد على قوانين الطبيعة والمعادلات الحسابية لمعرفة أسبابها. وهو يرى أن العلم الحديث لم يعد مجالاً للتأمل الفلسفي، بل أصبح يتطلب تخصصاً دقيقاً، فالعالم الحقيقي هو من يكرس حياته لمجال واحد يتقن أدواته ومنهجياته، بعيداً عن التشتت في مجالات أو علوم متعددة.
والعلم، في رأيه، منح البشر بعض القدرة على السيطرة على الطبيعة، إلا أنه في الوقت ذاته ترك فراغاً روحياً ومعنوياً، إذ لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الوجودية، ومن بينها: كيف يجب أن نعيش؟ وماذا يجب أن نفعل؟
ويميّز فيبر بين وظيفة العالم ووظيفة رجل الدين؛ فالعلم يحلل ويفسّر، والدين يمنح المعنى والالتزام، والعلم يمكنه، من حيث المبدأ، تفسير كلّ ما له تفسير عقلاني، وهذه "العقلنة" تحرّر الإنسان من الكثير من الأوهام، لكنها تتركه أيضاً وحيداً أمام فراغ المعنى، وعلى العالِم إدراك أن عمله حلقة في سلسلة، وأن كل نتيجة قابلة للمراجعة والنقد.
العالِم الحقيقي يُحلل الظاهرة من دون أن يحكم عليها قيمياً
من بين المفاهيم المهمة التي يثيرها الكتاب أيضاً، مفهوم "الحياد القيمي"، وهو تمييز صارم لا يزال يثير نقاشاً أكاديمياً محتدماً رغم مرور أكثر من قرن على حديث ماكس فيبر عنه. وهو يرى أن الأكاديمي لا يحق له أن يستغل وظيفته لترويج آرائه السياسية أو العقائدية، وأن قاعات الدراسة فضاء للمعرفة لا للدعاية، كما أن العالِم الحقيقي يُفصّل الظاهرة ويحللها من دون أن يحكم عليها قيمياً، إذ حين يختلط العلم بالدعاية يفقد الاثنان معاً صدقيتهما.
في المحاضرة الثانية بعنوان "السياسة كحرفة"، قدم فيبر عدداً من أكثر تعريفاته تأثيراً في تاريخ الفكر السياسي الحديث، أبرزها تعريفه الدولة بأنها "الكيان الذي يحتكر حق استخدام القوة"، وهو تعريف لا يزال مرجعاً أساسياً في كل أطروحات العلوم السياسية، وهو يبرز أن السياسة محض صراع على السلطة والنفوذ.
ويصنف فيبر مصادر شرعية السلطة إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي السلطة "التقليدية" المستندة إلى الأعراف والتقاليد، والسلطة "الكاريزمية" المستندة إلى جاذبية الزعيم وصفاته الاستثنائية، والسلطة "القانونية" المستندة إلى القوانين والأنظمة، وهو تصنيف يساعد على فهم كيفية تشكّل السلطة وتغيرها في المجتمعات المختلفة.
السياسة إذن هي السعي إلى السلطة، وقد تكون السلطة وسيلة لخدمة أهداف مثالية أو مصالح اجتماعية؛ وقد تصبح غاية في حد ذاتها لمن يبحث عن المجد الشخصي أو لذّة النفوذ. من هنا يأتي تمييزه بين من "يعيش من السياسة"، ومن "يعيش لأجل السياسة"، فالأول يتخذها مصدر رزق، والثاني يتخذها رسالة، مع أن المعنيين قد يلتقيان في شخص واحد.
ويطرح الكتاب مبدأ "الأخلاق السياسية"، والذي يقسمه إلى نوعين، "أخلاق الاقتناع"، و"أخلاق المسؤولية"، وفي الأول، يتصرف السياسي انطلاقاً من مبادئه وقناعاته بصرف النظر عن تبعات أفعاله على أرض الواقع، ويلتزم بأخلاقه، ويتمسك بمبادئه بغض النظر عن النتائج، حتى لو كان ذلك يعني الفشل في تحقيق أهدافه.
بينما في النوع الثاني يتحمل السياسي عواقب قراراته، وبالتالي يدرس مسبقاً الأثمان والمكاسب، ويُدرك أن النية الطيبة وحدها لا يمكن أن تُجنّبه الكوارث، وقد يضطر لاستخدام وسائل سيئة لتحقيق غايات نبيلة، مدركاً أن السياسة غالباً ما تكون لعبة "الأيدي القذرة".
ويقول فيبر: "من يريد ممارسة السياسة، وخاصة من يريد جعلها حرفة له، يجب أن يكون واعياً بهذه التناقضات الأخلاقية. إنه يتعامل مع قوى شيطانية تتربص بكل استخدام للعنف". والسياسي الناضج هو من يحتفظ بحرارة الاقتناع الداخلي بقضيته، لكنه في لحظة القرار يلتزم بحساب النتائج. ويرى أنه "من دون اقتناع يتحول السياسي إلى تكنوقراطي بلا روح، ومن دون مسؤولية يتحول إلى مغامر أعمى".
ولا تقتصر أهمية الكتاب على قيمته الأكاديمية؛ إذ يقدّم أدوات نقدية لقراءة الواقع، حيث الأنظمة الحاكمة تتنازعها البيروقراطيات والأجهزة الأمنية، وخطاب النخب السياسية يتأرجح بين المثاليات والمبادئ، وبين ممارسات لا تعترف بالمسؤولية عن النتائج، إلى جانب جامعات يشتبك فيها البحث العلمي بالمصالح والأيديولوجيا.
ويحذر فيبر من أن تبتلع البيروقراطية القرار السياسي، كما يحذر من السياسيين الهواة الذين لا يدركون تعقيدات إدارة الدولة، مؤكداً أن "السياسة كي تبقى مهنة مسؤولة تحتاج إلى توازن دقيق بين قيادة سياسية ذات رؤية، وجهاز إداري محترف يخضع للمساءلة ولا يتحوّل إلى دولة داخل الدولة".
وبينما يفصل بين العالِم والسياسي على مستوى الدور، إلا أنه يجمعهما على مستوى التأثير، فكلاهما يحتاج إلى ما يُسميه "النداء الداخلي"، فمهنة كليهما تظل بلا قيمة إن لم تنبع من اعتقاد صاحبها أنه يستجيب لدعوة وجودية أعمق من مجرد الوظيفة أو الراتب، ليتجاوز ماكس فيبر السوسيولوجيا إلى الفلسفة، ويطرح السؤال المهم: هل تعمل (كعالم أو كسياسي) لأنك مضطر للعمل، أم لأن لديك هدفاً؟
يميّز بين من "يعيش من السياسة"، ومن "يعيش لأجل السياسة"
لم يمر الكتاب من دون انتقادات بالطبع، وتركز النقد حول موقف ماكس فيبر من "الحياد القيمي". ويرى ليو شتراوس (1899- 1973) أن فيبر كان في حقيقته شكّاكاً في القيم، ويعتقد أنه لا يمكن أن تكون ثمة معرفة حقيقية، وأن التعددية القيمية التي يصفها هي أحد آثار هذا التشكك.
أما يورغن هابرماس (1929- 2026) فيعتبر أن نظرية "الحياد القيمي" تجعل القيم منفصلة عن المعرفة، وبالتالي تكون خارج نطاق التبرير العقلاني، ويرى أن زعم فيبر بأن العلم "خالٍ من القيم" هو في حد ذاته موقف قيمي، وأن هذا تناقض في الطرح، كما أن فيبر افترض أن طبيعة التنظيم في المجتمعات الحديثة ستكون هرمية، من أعلى إلى أسفل، ما قاده إلى تلك الخلاصات التشاؤمية.
واتهم هربرت ماركوزه (1898- 1979) العقلانية الأداتية عند ماكس فيبر بأنها ليست محايدة، بل عقلانية تخدم منطق الرأسمالية والبيروقراطية، مشيراً إلى أن الفصل بين الغايات والوسائل يجعل العلم أداة في يد السلطة من دون أدنى مساءلة.

Related News
سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
aawsat
6 minutes ago
ليس كمصارع.. جون سينا يعود في «WrestleMania 42»
al-ain
14 minutes ago
تـرامـب: سـقـوط الـنـظـام الإيـرانـي حـقـيـقـة أم وهـم؟
france24
16 minutes ago
كيف تعيد «غوغل» و«ميتا» صياغة مستقبلنا الرقمي؟
aawsat
18 minutes ago