Arab
منذ لحظة الولادة أو تشخيص إعاقة الطفل تبدأ رحلة الأم العراقية الطويلة التي تتقاطع فيها الأدوار بين الرعاية اليومية ومعركة الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية التي لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات في بلد يعاني أصلاً من ضعف البنى الصحية والاجتماعية، لتتحوّل الأم إلى العمود الفقري في حياة طفلها بلا دعم مؤسسي حقيقي.
وأطلق العراق استراتيجيات وطنية لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة من الأطفال واليافعين في المجتمع بهدف ضمان حقوقهم في الصحة والدراسة والمشاركة الاجتماعية، لكن التطبيق العملي لهذه الاستراتيجيات لا يزال محدوداً، حسبما يؤكد أهالي أطفال معوقين.
عندما اكتشفت أم عمر أن ابنها ذا الثلاث سنوات لديه إعاقة ذهنية، تغيرت حياتها جذرياً. تقول لـ"العربي الجديد": "وجدت نفسي وحيدة في رحلة عذاب لا تنتهي، من مواعيد العلاج، إلى التأهيل، إلى التعلّم داخل المنزل، بينما يغيب الدعم الأسري أحياناً، وتفرض علينا عزلة اجتماعية. أعاني من صعوبات في التنقل لمراجعة الطبيب، أو الذهاب إلى مكان عام، فكثير من الأماكن غير مهيأة لذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن أزمة النظرة المجتمعية التي نتعرض لها، فالبعض ينظر إلينا بشفقة، والبعض الأخر بسخرية".
بدورها، عانت أم نور على مدى 20 سنة مع ابنتها البكر، وتقول لـ"العربي الجديد": "لم يكن الطب وقتها متطوراً مثلما هو الحال اليوم، وعندما أنجبت نور رأيتها طفلة سليمة خالية من أي مرض، لكن بعد مرور بضعة أشهر اكتشفنا أنّ لديها ضموراً في الدماغ، ما جعلها طريحة الفراش، وعندها بدأت المعاناة. أرهقني مرضها جداً، وجعلني أعيش حالة هستيرية، ورفضت أن أنجب مجدداً. الحكومة لا توفر مستشفيات تحتضن هذه الشريحة من الأطفال، ولا العلاج المجاني، أو حتى قليل الكلفة".
وتوضح أن "الإعانات المالية الشهرية التي تمنحها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قليلة مقارنة بالتكاليف الفعلية للعلاج والتأهيل، ما يُجبر العديد من الأسر على الاعتماد على الدعم الذاتي أو التبرعات. لا أستطيع الخروج أو السفر لأني المعين الوحيد لها، والبقية لا يفهمون احتياجاتها".
وأطلقت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الاستراتيجية الوطنية لإدماج الأطفال واليافعين من ذوي الإعاقة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وحينها، قال الوزير أحمد الأسدي، إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى ضمان حق الأطفال ذوي الإعاقة في الصحة والتعليم والحماية والمشاركة المجتمعية، وتركّز على إزالة الحواجز التي تمنعهم من المشاركة الفعالة في المجتمع، مشدداً على أهمية إزالة كل الحواجز التي تعيق اندماجهم ومشاركتهم الفاعلة، بما يسهم في توفير بيئة أكثر شمولاً وعدالة لهم.
وأظهرت نتائج المسح الوطني للإعاقة أن أعلى نسبة هي الإعاقة الحركية، التي تصل إلى 42% من مجموع الإعاقات، تليها صعوبات التعلم بنسبة 21%، ثم الإعاقة البصرية بنسبة 15%، ثم الإعاقة السمعية 9%، وأقل نسبة هي الإعاقة العقلية، وتبلغ 6% من مجموع الأشخاص من ذوي الإعاقة.
ويقول رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، لـ"العربي الجديد"، إن "نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في عام 2024 بلغت 12% من المجموع الكلي لسكان العراق، ويقدر العدد بأكثر من ثلاثة ملايين وخمسمائة وثمانون ألف شخص، وهذا الرقم يتقارب مع بيانات منظمة الصحة العالمية، وعدد الذكور من بينهم يمثل نسبة 57%، وعدد الإناث يمثل 43%".
ويوضح الغراوي أن "نسب توزيع الأشخاص ذوي الإعاقة بحسب المحافظات تتفاوت، إذ ترتفع في محافظة بغداد لما يقارب 27%، وتليها محافظة البصرة بنسبة 11.7%، ثم محافظة بابل بنسبة 9.8%، وأقل نسبة ظهرت في محافظتي ميسان والمثنى. يتعرض الأشخاص ذوو الإعاقة إلى مئات الانتهاكات يومياً لدى مراجعتهم دوائر الدولة، لذلك هم بحاجة إلى قوانين تحميهم وأماكن ترعاهم نفسياً وجسدياً، وعلى الحكومة أن تعيرهم الأهمية في كل شيء".
ويقول القانوني وسام عبد العزيز لـ"العربي الجديد"، إن "القانون العراقي يقف دائماً إلى جانب ذوي الإعاقة، وخصص لهم نسبة مئوية في القطاعين الخاص والعام، هي 3% في القطاع الخاص و5% في القطاع العام، وذلك بهدف تعزيز مشاركتهم في سوق العمل. لكن هناك تقارير حقوقية تؤكد أن هذه الحصص غالباً لا تُنفَّذ بشكل كامل، ما يقلل من فرص التشغيل الفعلية".
وبحسب الأمم المتحدة، تواجه المنظمات المحلية محدودية التمويل التي تعيق قدرتها على تقديم الدعم اللازم للأفراد من ذوي الإعاقة وأسرهم، ما يستدعي مشاركة أوسع من الحكومة والمجتمع المدني في توفير الدعم المالي والاجتماعي.

Related News
ديون مليارية.. 6 مؤشرات تفضح اقتراب ريال مدريد من الإفلاس
al-ain
15 minutes ago
5 أمور يجب على مريض التهاب المسالك البولية تجنبها
aawsat
16 minutes ago
تفاصيل أجور أبطال «هاري بوتر» الأطفال وموعد عرض المسلسل
al-ain
17 minutes ago