سورية: دولة قانون أم دولة وصاية؟
Arab
6 days ago
share
حين صدر الإعلان الدستوري السوري في مارس/آذار 2025، بدا وكأنه لحظة تأسيسية لدولة جديدة، تقوم على المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون. نصوص واضحة تؤكد حماية الحريات الفردية، وحق الإنسان في اختيار أسلوب حياته، وممارسة معتقداته، والتعبير عن رأيه دون خوف أو تدخل. لكن، بعد أقل من عام، تكشف الوقائع عن صورة مختلفة تماماً. ما يجري اليوم في عدد من المحافظات السورية لا يعكس مجرد فجوة بين النص والتطبيق، بل يشير إلى مسار مقلق يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفرد. قرارات إدارية تتوالى: منع تقديم المشروبات الكحولية، فرض قيود على اللباس، التدخل في مظهر الموظفات، حظر بعض الممارسات الاجتماعية، وتوسيع مفهوم "النظام العام" ليشمل تفاصيل الحياة اليومية. المشكلة لا تكمن فقط في طبيعة هذه القرارات، بل في الأساس الذي تقوم عليه. فهي لا تستند إلى قوانين واضحة صادرة عن سلطة تشريعية، ولا إلى نقاش مجتمعي، بل إلى تفسير إداري فضفاض لمفهوم "النظام العام"، يتيح للسلطة التنفيذية التدخل في أدق تفاصيل الحياة الشخصية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام دولة قانون، أم دولة تُدار عبر قرارات مزاجية قابلة للتوسع بلا سقف؟ الخطورة الحقيقية لا تكمن في قرار هنا أو هناك، بل في النموذج الذي يتشكل تدريجياً؛ نموذج يسعى إلى فرض نمط سلوكي واحد على مجتمع متنوع بطبيعته. فالمجتمع السوري ليس كتلة متجانسة، بل مساحة واسعة من الاختلافات الثقافية والدينية والاجتماعية. وحتى داخل المكوّن الواحد، لا توجد حياة واحدة أو خيارات متطابقة. الفرد، أياً كان انتماؤه، يمتلك حقه في أن يختار كيف يعيش، ماذا يلبس، كيف يعبّر عن نفسه، وما هي أنماط حياته الخاصة. وعندما تتحول الدولة إلى جهة تحدد هذه الخيارات، فإنها تتجاوز دورها التنظيمي إلى دور وصائي مباشر. النصوص التي وعدت بحماية الحرية تُفرغ تدريجياً من مضمونها عبر ممارسات تنفيذية تقيد هذه الحرية على أرض الواقع الأكثر تعقيداً أن هذه السياسات لا تُطبّق دائماً بروح العدالة أو المساواة، بل تُفرض كقواعد عامة على الجميع، متجاهلة الفروقات الفردية. وهذا يقوّض أحد أهم أسس المواطنة: أن الفرد هو وحدة الحقوق، لا الجماعة. إلى جانب ذلك، تترافق هذه الإجراءات مع تضييق غير معلن على حرية التعبير. فانتقاد هذه القرارات أو الاعتراض عليها قد يُفسَّر بوصفه خروجاً على "النظام العام"، ما يخلق بيئة من الرقابة الذاتية والخوف الصامت. وهنا لا يعود الحديث عن حرية السلوك فقط، بل عن حرية الرأي أيضاً. ما يحدث اليوم يمكن قراءته من زاويتين: إما أنه محاولة مؤقتة لضبط المجتمع في مرحلة انتقالية، أو أنه بداية تشكّل نموذج حكم يقوم على الضبط الاجتماعي كبديل عن الشرعية السياسية. وفي كلا الاحتمالين، النتيجة واحدة: تراجع تدريجي في مساحة الحريات الفردية. المفارقة أن هذا المسار يتناقض بشكل مباشر مع روح الإعلان الدستوري نفسه. فالنصوص التي وعدت بحماية الحرية تُفرغ تدريجياً من مضمونها عبر ممارسات تنفيذية تقيد هذه الحرية على أرض الواقع. وهنا يتحول الدستور من مرجعية عليا إلى وثيقة رمزية لا تجد ترجمتها العملية. لم تعد المسألة مجرد نقاش قانوني، بل أصبحت سؤالاً عن شكل الدولة التي تتكوّن في سورية: هل ستكون دولة مواطنين أحرار، أم دولة تفرض على مواطنيها كيف يجب أن يعيشوا؟ إن استمرار هذا النهج لا يهدد الحريات الفردية فحسب، بل يهدد فكرة التنوع نفسها، ويدفع المجتمع إلى خيار صعب: إما الامتثال لنمط مفروض، أو الانكفاء إلى مساحات خاصة مغلقة. في المحصلة، لا يمكن بناء دولة حديثة على أساس الوصاية على الأفراد. فالمواطنة لا تتحقق عبر فرض السلوك، بل عبر حماية الحق في الاختلاف. كما أن سيادة القانون لا تعني توسيع سلطة الإدارة، بل تقييدها بنصوص واضحة تحمي الإنسان أولًا. سورية اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول نصوصها الدستورية إلى واقع يُحترم، أو تبقى مجرد وعود جميلة في مواجهة سلطة تفرض تعريفها الخاص للحياة. والفرق بين الخيارين… هو الفرق بين دولة حرية، ودولة وصاية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows