Arab
مع تسارع تخطيط الاحتلال الإسرائيلي لإقامة مستوطنة "ناحال دوران" على جبل طاروسا في أراضي مدينة دورا جنوبي الخليل، وفي بلدة دير سامت غربي الخليل في جنوب الضفة الغربية المحتلة، فإنّ مخاوف الأهالي تتزايد من مستقبل يضيق فيه المكان وتُحاصر فيه الحياة، بل وينذر المخطط بعزل دورا ودير سامت وتقييد الحركة، ما يثقل يوميات الفلسطينيين ويضعهم أمام واقع إنساني قاسٍ.
يقتحم المستوطنون المتطرفون جبال الخليل الغربية جنوبي الضفة الغربية، ويرفعون "الشمعدان" على سطح جبل "طاروسا" من أراضي بلدة دير سامت ويؤدون صلوات تلمودية، احتفاءً بالقرار الصادر عن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) في 12 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والذي ينصّ على إقامة وشرعنة 19 مستوطنة في الضفة، بما فيها مستوطنة "ناحال دوران" في بلدة دير سامت غربي الخليل.
وكانت وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أوريت ستروك ومستوطنون متطرفون قد اقتحموا "جبل طاروسا" في 21 ديسمبر الماضي، وأقاموا حفل إضاءة الشمعة الثامنة في "عيد الحانوكا اليهودي". وقالت ستروك حينها إنّ "إقامة مستوطنة دوران تعني العودة إلى أرض الآباء، وستشكّل خطة ربط المستوطنات بعضها ببعض لتعزيز الوجود اليهودي". فيما صرّح رئيس المجلس الإقليمي لمستوطنات جبل الخليل، اليرام أزولاي بأنّ مستوطنة "دوران" ستربط بين مستوطني "أدورا" شمال البلدة، و"نيجهوت" جنوباً، وجاء ذلك في حضور عدد من العائلات اليهودية، التي أعلن أنها جاهزة للاستيطان فيها عبر بؤرة زراعية.
إعادة رسم الجغرافيا السياسية للضفة
غير أنّ أبعاد إقامة هذه المستوطنة تتخطى حدود تصريحات قادة الاحتلال، إذ إنّها تندرج ضمن مخطط استيطاني واسع يستهدف إعادة رسم الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، كما يؤكد عضو لجنة الدفاع عن أراضي الضفة الغربية من بلدة دورا جنوبي الخليل، عبد الهادي حنتش.
ويوضح حنتش في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أنّ المستوطنة المقررة إقامتها في منطقة طاروسا تمثّل حلقة جديدة في سلسلة استيطانية متصلة تبدأ من القدس عبر مستوطنة معاليه أدوميم، وتمتد غرب بيت لحم ضمن مجمع "غوش عتصيون"، ثم تصل إلى مستوطنات غرب الخليل الملاصقة للخط الأخضر مثل "أدورا"، وصولاً إلى جنوب غربي الخليل، بما يؤدي إلى التحام هذه الكتل الاستيطانية مع الداخل الفلسطيني المحتل في بئر السبع.
ويشير حنتش إلى أنّ هذا الامتداد ليس عشوائيّاً، بل يستند إلى مشروع قديم طرحه رئيس وزراء الاحتلال الأسبق أرييل شارون، والمعروف بـ"خطة الأضلاع"، التي تقوم على تقسيم الضفة الغربية استيطانياً إلى ثلاثة أضلاع.
وبحسب حنتش، فإنّ إقامة مستوطنة "دوران" تُسهم في استكمال أحد هذه الأضلاع من القدس إلى الجنوب، بالتوازي مع تكثيف الاستيطان في الأغوار الشمالية والجنوبية باعتبارها الضلع الثاني، فيما يمتد الضلع الثالث بين الأغوار وجنين شمال الضفة. ويؤكد حنتش أنّ الهدف المركزي من هذا المخطط يتمثل في تسهيل السيطرة الإسرائيلية الشاملة على الفلسطينيين، عبر إحكام المراقبة على تحركاتهم على مدار الساعة، وهو ما ينعكس مباشرة على حياتهم اليومية وحرية تنقلهم.
جبل طاروسا موقع استراتيجي
ويشير حنتش إلى أنّ السيطرة على جبل طاروسا، نظراً لموقعه المطل على البحر الأبيض المتوسط والداخل الفلسطيني المحتل وقطاع غزة، تمنح الاحتلال أفضلية استراتيجية، ما يدفعه إلى تكريس جهود كبيرة لإقامة المستوطنة وتعزيز الاستيطان فيها، وربطها بالخطوط الاستيطانية الغربية، بما يؤدي إلى عزل القرى الفلسطينية المحيطة.
ويرجّح حنتش أن يقدم الاحتلال لاحقاً على إغلاق الشارع الرئيسي لبلدة دير سامت بشكل كلّي، كونه الممر الواصل إلى موقع المستوطنة، ولا سيّما بعدما نُصبت بوابة حديدية على مدخل البلدة، الأمر الذي سيؤدي إلى عزل الفلسطينيين بشكل شبه كامل، رغم وجود طرق بديلة بعيدة وغير رئيسية، ما يفرض قيوداً إضافية على الحركة اليومية للسكان.
وفي السياق ذاته، يتحدث حنتش عن تقديرات تشير إلى نية الاحتلال شق طريق يربط مستوطنة "دوران" بمستوطنة "نيجهوت" المقامة على أراضي الفلسطينيين غربي بلدة دورا، ومستوطنة "أشكيلوت" المقامة على أراضي بلدة الظاهرية، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى خلق تواصل جغرافي بين البؤر الاستيطانية عبر المناطق الفلسطينية، التي يصنّفها الاحتلال "ممرّات" تُستخدم إمّا لتوسيع الاستيطان أو لشق الطرق وربط المستوطنات بعضها ببعض.
ويحذّر حنتش من أنّ إقامة هذه المستوطنة ستفتح الباب أمام استهداف مناطق قريبة، مثل منطقة "المورّق" التي تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن موقع المستوطنة، وتضمّ "قصر المورّق الأثري" العائد إلى العهد الروماني.
تهديد التراث الفلسطيني
ويشير حنتش إلى أنّ المستوطنين باتوا يقتحمون هذا الموقع في الآونة الأخيرة، خصوصاً أيام الجمعة، ويربطون معالمه بمزاعم توراتية، ويدخلون إلى سراديب تحت الأرض لأداء طقوس تلمودية. ويؤكد حنتش أنّ هذه الممارسات تشكّل تهديداً مباشراً للتراث الفلسطيني، وقد تُستخدم ذريعة لتوسيع الاقتحامات والسيطرة على مناطق إضافية، خصوصاً أن الموقع الأثري مصنّف ضمن المنطقة "ب"، الخاضعة لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية وفق اتفاقية أوسلو، وهي تصنيفات يتجاهلها الاحتلال بشكل متعمد.
ويحذّر حنتش من أنّ إقامة مستوطنة "دوران" قد تؤدي إلى الاستيلاء الكامل على الموقع الأثري والسيطرة على القرية الصغيرة المحيطة به، في ظل اعتماد الاحتلال على ذرائع جاهزة، مثل اعتبار الأراضي "أملاك دولة" أو "مناطق أثرية يهودية" أو خاضعة لأوامر وضع اليد، بهدف نهائي يتمثل في طرد الفلسطينيين من أراضيهم.
تحويل دير سامت لسجن كبير
أما رئيس بلدية دير سامت، ربحي الحروب، فيحّذر من تداعيات المشروع الاستيطاني الجديد الذي سيحوّل البلدة فعليّاً إلى ما يشبه "سجناً كبيراً". ويشير الحروب في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ بلدة دير سامت تعاني أصلاً من إغلاقات متواصلة، إذ توجد بوابة تفصلها جنوباً عن بلدة بيت عوّا المغلقة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إلى جانب بوابة أخرى مماثلة مغلقة بينها وبين بلدة إذنا شمالاً، ما أدى إلى حصر حركة السكان بطريق واحد فقط من الجهة الشرقية.
ويؤكد الحروب أنّ إقامة المستوطنة ستعني إغلاق البلدة بالكامل، خصوصاً أن اقتحامات المستوطنين المتكررة لرأس جبل طاروسا تترافق كل مرة مع إغلاق شامل للبلدة. ويشدّد على أنّ القلق الأكبر يتمثل في احتمال إغلاق المنفذ الوحيد المتبقي لدير سامت، ولا سيّما أن المستوطنة تقع شرق البلدة وغرب مدينة دورا، وستُقام على مساحة تزيد على مئة دونم من أراضي رأس جبل طاروسا، وهي أراضٍ مملوكة ملكية خاصة لعائلة "مسالمة".
ويلفت الحروب إلى أنّ جيش الاحتلال كان قد أخلى، قبل نحو عشرة أعوام، بؤرة عسكرية من الجبل في موقع المستوطنة الحالية، بعدما ظلت قائمة لنحو 15 عاماً، إلا أنّ المستوطنين واصلوا منذ ذلك الوقت التردد إلى المنطقة بشكل متكرر.
ويبيّن رئيس البلدية أنّه خلال الاقتحامات السابقة للمنطقة، كان الاحتلال يُبلغ الارتباط الفلسطيني بضرورة إغلاق كلّ المحال التجارية الواقعة على الشارع الرئيسي للبلدة، مع انتشار مكثف لقواته بحجة تأمين مرور المستوطنين إلى رأس الجبل. ويحذّر الحروب من أنّ استقرار المستوطنين في الموقع سيؤدي على الأرجح إلى إغلاق كامل للمحال التجارية وشلّ الحياة الاقتصادية في البلدة.
دير سامت والحصار الصامت
ويشير الحروب إلى أنّ البلدة تعيش حالة حصار، إذ تشهد توسّع بؤرة على أراضي "خلّة طه" شرقاً، فيما يلتهم جدار الفصل العنصري من الجهة الغربية نحو 30% من مساحة البلدة، إلى جانب وجود حاجزين شمالاً وجنوباً. ويؤكد الحروب أنّه، رغم خطورة هذه التطورات، لم تحظَ البلدة حتى الآن بأي زيارات أو متابعة جدية من الجهات الرسمية.
ويبلغ عدد أهالي بلدة دير سامت نحو 12 ألف نسمة، وتُقدّر مساحتها بنحو 28 ألف دونم، ويُصنّف ما لا يقلّ عن 65% منها ضمن مناطق "ج" الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية، ما يجعلها أكثر عرضة لمزيد من التضييق والاستهداف في حال تنفيذ المشروع الاستيطاني.

Related News
كوكوريا: وديّة مصر مهمة للغاية
aawsat
14 minutes ago
جدول مباريات اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 والقنوات الناقلة
al-ain
17 minutes ago
توبة متمسك باللعب لمنتخب الجزائر
aawsat
20 minutes ago