تصاعد الحرب في المنطقة يضغط على الأسهم العالمية
Arab
5 days ago
share
تتراجع رهانات الأسواق على احتواء سريع للحرب في المنطقة، مع تحوّل واضح في سلوك المستثمرين نحو سيناريو صراع طويل وتداعياته الاقتصادية. وفي ظل تصاعد المخاطر، تتجه الأموال إلى التحوّط عبر زيادة السيولة والرهان على أسهم الطاقة، مقابل تقليص الانكشاف على السندات وقطاعات النمو، في مؤشر على انتقال الأسواق من مرحلة تجاهل الصدمات إلى مرحلة تسعيرها بشكل كامل. وتعكس هذه التحركات توجّه الأسواق نحو شراء نوع من التأمين ضد تغيّرات طويلة الأمد، وربما دائمة، في أسواق الطاقة والتجارة، مع الابتعاد عن الرهانات السابقة التي كانت تتعامل مع الاضطرابات باعتبارها مؤقتة. كما انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.5% يوم الجمعة، مع تصدّر شركات التكنولوجيا الكبرى للخسائر، كما تراجعت العقود الآجلة بنسبة إضافية بلغت 0.6% في آسيا. وهبط مؤشر نيكاي الياباني القياسي بنسبة 3.5%، فيما امتدت حالة القلق إلى الصين، حيث سجلت الأسهم القيادية أكبر خسائرها منذ أزمة الرسوم الجمركية الأميركية العام الماضي. وكانت عمليات البيع أكثر حدّة في أسواق السندات، في وقت يترقب فيه المتداولون الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، مع استعدادهم لاحتمال وقوع ضرر اقتصادي طويل الأمد، حتى في حال حدوث انفراج يبدو غير مرجّح. وفي السياق، قال آرون كوستيلو، رئيس قسم آسيا في شركة كامبريدج أسوشييتس الاستشارية للاستثمار لوكالة رويترز، إن "الأسواق كانت حتى وقت قريب شديدة الصمود"، مشيراً إلى أن المستثمرين اعتادوا، بفعل تقلبات ترامب السابقة، على توقع انعكاس سريع للأوضاع. وأضاف خلال فعالية لمعهد ميلكن في هونغ كونغ: "ثم يوم الجمعة، كسرت الأسواق مستويات جديدة نحو الانخفاض... لأن الواقع، على ما يبدو، هو أن التصعيد سيزداد قبل أن يتراجع". وتابع: "في الوقت الحالي، تمتلك الشركات والدول احتياطيات ومخزونات، لكنها ستُستنزف في نهاية المطاف ما لم ينتهِ هذا الوضع، لذا بدأت الأسواق بتسعير ذلك، وهي بحاجة إلى الاستمرار في تسعيره". وسجل مؤشر MSCI للأسهم العالمية أدنى مستوى له في أربعة أشهر، اليوم الاثنين، بعد كسره مستوى دعم المتوسط المتحرك لـ200 يوم يوم الجمعة. من جهتها، قالت كارين جوريتسما، رئيسة الأسهم الأسترالية في "آر بي سي كابيتال ماركتس" في سيدني: "كان هناك نقص كبير في القناعة بشأن التقييمات خلال هذا الارتفاع في السوق، وما نشهده الآن هو خروج سريع نحو الباب". وأضافت: "ترتفع الأرصدة النقدية، ونرى عمليات تقليص للمراكز عبر الأسواق في آسيا والولايات المتحدة وعلى نطاق واسع، وهذا يبدو منطقياً للغاية". الآثار الاقتصادية للحرب قد تزداد سوءاً بدأت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، إلى جانب احتمال وقوع المزيد من الدمار، تقنع المستثمرين بأن لا تغيير في سياسة ترامب، ولا خفض أسعار الفائدة سيكون كافياً لعكس الآثار الاقتصادية للحرب. وقد تعطلت نحو خُمس قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال بسبب الهجمات الإيرانية، ما يرجّح تأثير العقود طويلة الأجل لسنوات، بحسب تصريحات رئيس "قطر للطاقة" لوكالة رويترز. كما أن كميات النفط العابرة لمضيق هرمز تكاد تكون معدومة. وارتفعت أسعار تذاكر الطيران والوقود، وبدأت الشركات بالتكيّف مع الواقع الجديد. فقد أعلنت شركة "يونايتد إيرلاينز" استعدادها لاحتمال وصول سعر النفط إلى 100 دولار حتى نهاية عام 2027، مع خطط لخفض طاقتها التشغيلية بنسبة خمس نقاط مئوية. في آسيا، حيث يزيد الاعتماد على نفط الشرق الأوسط من هشاشة الاقتصادات، تتحرك الأموال بين القطاعات، وفي بعض الحالات تغادر الأسواق بالكامل. وبلغ صافي مبيعات الأسهم في المنطقة هذا الشهر 44.36 مليار دولار، وهو في طريقه لتسجيل أكبر تدفق خارجي شهري منذ عام 2008 على الأقل. وبحسب "رويترز"، قال فرانسيس تان، كبير استراتيجيي آسيا في "إندوسويز لإدارة الثروات" في سنغافورة: "هذا التصعيد يدفع المستثمرين إلى إدراك أننا لسنا في نهاية هذا الوضع، بل يبدو أنه سيتفاقم". وأضاف أن العملاء يتخذون مواقف أكثر دفاعية، عبر جني الأرباح وتأمين المكاسب التي تحققت خلال العام الماضي وما قبله. وتتراجع خيارات الملاذ الآمن في الأسواق، إذ تضغط مخاطر التضخم على أسعار السندات، بينما شهد الذهب، الملاذ التقليدي، تراجعاً أيضاً مع لجوء المستثمرين إلى جني الأرباح بعد ارتفاعه الأخير. كما تعرضت أسهم شركات تعدين الذهب لضغوط في أستراليا، نتيجة ارتفاع تكاليف نقل الديزل إلى مواقع التعدين النائية. ومع ذلك، فإن المستثمرين على المدى الطويل، الذين تُقاس عوائدهم بسنوات، لا يظهرون حالة من الذعر، ولا يعيدون هيكلة محافظهم بشكل جذري. وقالت لوري هاينل، كبيرة مسؤولي الاستثمار العالمي في ستايت ستريت لإدارة الاستثمار: "لم نشهد تدفقات كبيرة للخروج من الأسهم". وأضافت: "لكن كلما طال أمد الصراع، زادت هشاشة آسيا، بسبب اعتمادها على الطاقة واحتمال استمرار ارتفاع الأسعار". في المقابل، كانت قطاعات الطاقة، النفط والغاز والطاقة المتجددة، من أبرز المستفيدين من عمليات الشراء، إلى جانب الدولار، انطلاقاً من قناعة بأن الأسهم الاميركية قد تكون الأكثر قدرة على تحمّل الصدمة. وقد رفعت شركة "لومبارد أودييه" تقييمها للأسهم الاميركية إلى محايد، استناداً إلى كون الولايات المتحدة دولة مصدّرة للطاقة، رغم أن هذا السوق بدأ هو الآخر بالتراجع. وعليه، تعكس التحركات الأخيرة في الأسواق العالمية تحوّلاً هيكلياً في سلوك المستثمرين، من الرهان على احتواء سريع للأزمة إلى التسليم بواقع صراع طويل وتداعياته الممتدة. ومع تآكل فعالية أدوات السياسة النقدية في مواجهة صدمات جيوسياسية بهذا الحجم، تبدو الأسواق في طور إعادة تسعير شامل لمخاطر الطاقة والتجارة والتضخم، وهو مسار قد يستمر لفترة غير قصيرة. وفي هذا السياق، لن يكون اتجاه الأسواق في المرحلة المقبلة مرهوناً فقط بتطورات الميدان، بل أيضاً بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات الإمدادات واحتواء الضغوط التضخمية. وبينما تظل بعض الاستثمارات طويلة الأجل متماسكة، فإن المزاج العام يميل إلى الحذر وإعادة التموضع الدفاعي، ما يعزز فرضية دخول الاقتصاد العالمي مرحلة أكثر تقلباً وأقل يقيناً، حيث تصبح إدارة المخاطر أولوية تفوق البحث عن العوائد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows