Arab
شهدت بغداد خلال الساعات الماضية تشديداً أمنياً واسع النطاق، تمثل في إغلاق عدد كبير من المداخل الفرعية لمناطق الغزالية والعامرية وحي الجهاد والشعلة وأبو غريب في جانب الكرخ من العاصمة باستخدام الكتل الكونكريتية، مع حصر حركة الدخول والخروج عبر مدخلين رئيسيين فقط لكل منطقة، بالتزامن مع نشر نقاط حواجز أمنية مشتركة مكثفة وتعزيز الانتشار العسكري في عدد من الطرق والمحاور الحيوية، ولا سيما في جانب الرصافة من العاصمة.
وتأتي هذه الإجراءات، بحسب مصادر أمنية، لـ"العربي الجديد"، في إطار خطة تهدف إلى الحد من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي تستهدف محيط مطار بغداد الدولي والمنشآت الحساسة، عبر تشديد الرقابة على حركة المركبات والأفراد ومنع استغلال الطرق الفرعية كممرات لتنفيذ أو تسهيل الهجمات. وشملت الخطة إقامة نقاط تفتيش إضافية وتكثيف الدوريات الأمنية.
غير أن هذه التدابير الأمنية انعكست مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، إذ شهدت الطرق الرئيسية اختناقات مرورية حادة، خاصة خلال ساعات الذروة، نتيجة تقليص منافذ الدخول والخروج وتحويل مسارات السير، فيما أثار المشهد الأمني الجديد جدلاً واسعاً، إذ يرى البعض أن الاعتماد على الإغلاقات الكونكريتية وإجراءات التضييق المروري يعيد إلى الأذهان سنوات سابقة شهدت بغداد خلالها قيوداً أمنية مشددة، معتبرين أن هذه الأساليب قد لا تمثل حلاً لمعالجة التحديات الأمنية الحالية، بل قد تؤدي إلى زيادة الضغط على السكان دون معالجة جذور المشكلة الأمنية.
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية سيف رعد، لـ"العربي الجديد"، إن "الإجراءات الأمنية الأخيرة التي شهدتها العاصمة بغداد تمثل حلاً أمنياً فعالاً في ظل طبيعة التهديدات الحديثة وأساليب الهجمات المتطورة، فالخطط الأمنية المعاصرة لم تعد تعتمد على إغلاق المدن أو تقييد حركة المواطنين كوسيلة أساسية للسيطرة الأمنية، بل ترتكز على العمل الاستخباري والتقنيات الحديثة والرصد الاستباقي، التحديات الحالية تختلف جذرياً عن التهديدات التي كانت تواجهها بغداد قبل سنوات".
وبين رعد أن "الجماعات المسلحة باتت تعتمد أساليب جديدة في تنفيذ الهجمات، أبرزها استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى التي يمكن إطلاقها من منصات صغيرة سهلة النقل والإخفاء، ما يجعل الإجراءات التقليدية مثل غلق الطرق أو نصب الحواجز الكونكريتية محدودة التأثير على منع تلك الهجمات".
وأضاف أن "لا تتطلب منصات الإطلاق الحديثة مواقع ثابتة أو تحركات كبيرة يمكن رصدها بسهولة، بل يمكن نقلها وتشغيلها خلال دقائق في مناطق مفتوحة أو زراعية أو حتى من مركبات مدنية، وهو ما يقلل من جدوى تضييق حركة السير داخل الأحياء السكنية".
وأكد أن "التركيز على الإجراءات الميدانية الظاهرة قد يمنح انطباعاً بوجود سيطرة أمنية، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة الأمنية، التي تتطلب تطوير قدرات المراقبة الجوية وأنظمة كشف المسيرات، وتعزيز التنسيق الاستخباري، واستخدام تقنيات التشويش الإلكتروني ومنظومات الإنذار المبكر". وتابع رعد "التشديدات الأمنية داخل المدن غالباً ما تنعكس سلباً على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال خلق اختناقات مرورية وتعطيل النشاط الاقتصادي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالإجراءات الأمنية إذا لم تقترن بنتائج ملموسة على أرض الواقع".
وختم الخبير في الشؤون الأمنية قوله إن "التجارب الأمنية الحديثة في عدد من الدول أثبتت أن مواجهة تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ المتنقلة تعتمد أساساً على (الأمن الذكي) القائم على المعلومات الدقيقة والتحليل التقني، وليس على إغلاق المناطق السكنية أو إعادة أنماط الإجراءات التقليدية، ولهذا يجب مراجعة الخطط الأمنية بما ينسجم مع طبيعة التهديدات الجديدة والتطور السريع في وسائل الهجوم غير التقليدية".
من جهته، قال عضو مجلس محافظة بغداد نجم الربيعي، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك تحركاً رسمياً على مستوى الجهات العليا لمراجعة الإجراءات الأمنية الأخيرة التي فرضت في عدد من مناطق العاصمة بغداد، وهناك مساعي جدية لتخفيف القيود المفروضة على المواطنين".
وأكد الربيعي "نتابع بشكل مباشر تداعيات الإجراءات الأمنية التي شملت إغلاق مداخل فرعية لعدة مناطق سكنية وحصر الدخول والخروج بمنافذ محددة، والنقاشات الجارية مع القيادات الأمنية تهدف إلى إعادة تقييم هذه الخطوات بما يقلل من آثارها السلبية على المواطنين". وبيّن أن "الأمن يمثل أولوية وطنية لا يمكن التهاون بها، إلا أن المواطن يجب ألا يكون الضحية الأولى لأي خروقات أمنية أو تهديدات لا علاقة له بها، والإجراءات الاستثنائية ينبغي أن تكون مؤقتة ومدروسة وتراعي طبيعة الحياة المدنية داخل العاصمة".
وأضاف أن "شكاوى عديدة وردت من سكان المناطق المشمولة بالإجراءات، تتعلق بالازدحامات المرورية وصعوبة التنقل، فضلاً عن التأثيرات الاقتصادية التي طاولت أصحاب الأعمال والمهن اليومية، الأمر الذي استدعى تحركاً من الحكومة المحلية ومجلس المحافظة، لبحث الحلول الممكنة مع الجهات الأمنية المختصة".
وللأسبوع الثالث على التوالي، يتحوّل مجمّع قاعدة "فكتوري" الأميركية في بغداد، وما يحتويه من مرافق، إلى هدف للصواريخ والمسيّرات التي تطلقها فصائل عراقية مسلحة، ضمن عملية الإسناد التي تبنتها "تنسيقية المقاومة الإسلامية في العراق"، ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وبناءً على التقارير الميدانية والبيانات الرسمية وشبه الرسمية، فإنه منذ مطلع مارس/آذار، تعرّضت القاعدة القريبة من مطار بغداد الدولي حتى صباح أمس الأحد لأكثر من 25 هجوماً، توزعت على نحو 60 ضربة بواسطة صواريخ موجهة وطائرات مسيّرة، لتتحول المنطقة إلى نقطة ارتكاز أمنية وسياسية في الحرب الحالية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تعقّد المشهد الأمني في العراق، حيث تتداخل حسابات داخلية تتعلق بنفوذ الفصائل، مع اعتبارات إقليمية مرتبطة بالصراع الأوسع في المنطقة، كما أن تكرار الهجمات على القواعد العسكرية والسفارات الأجنبية يضع حكومة بغداد أمام تحدٍّ متزايد بشأن فرض سيادتها وقدرتها على ضبط الوضع الأمني.

Related News
مارتينيز يتمسك برونالدو: النهاية لم تُكتب بعد
aawsat
4 minutes ago
الأوروغوياني ساتريانو إلى خيتافي بصفقة نهائية
aawsat
5 minutes ago