Arab
أعلن جهاز المخابرات العراقي، اليوم السبت، مقتل ضابط من جراء هجوم استهدف مقره في بغداد بطائرة مسيَّرة، فيما تجددت الغارات الجوية على مواقع لـ"الحشد الشعبي"، بعدة مناطق من البلاد خلال الساعات الماضية.
وجاء الهجوم على مقر المخابرات بعد يومين من حملة إعلامية واسعة لفصائل مسلحة، اتهمت ضباطاً في المخابرات العراقية بالتعاون مع القوات الأميركية، وهو ما رفضه الجهاز في بيان له واعتبره حمله ممنهجة تستهدفه. وفي وقت سابق اليوم، قالت خلية الإعلام الأمني، في بيان لها، إن طائرة مسيّرة استهدفت مقر جهاز المخابرات العراقي الوطني بمنطقة المنصور، دون أي تفاصيل أخرى.
لكن مسؤولاً أمنياً في بغداد، قال لـ"العربي الجديد"، إن الطائرة انفجرت على سطح مبنى داخل مقر جهاز المخابرات، مؤكداً أن طائرة ثانية تحمل رأساً متفجراً سقطت في نادي الصيد المجاور دون أن تنفجر وتقوم قوات الأمن بمعالجة الوضع وسط تطويق تام للمنطقة.
وكشف المسؤول الأمني عن أنّ الطائرة المستخدمة بالهجوم تشير إلى أن الجهة التي تقف خلفها فصيل مسلح، وليس إيران، أو طرفاً خارجياً. ويأتي استهداف مقر جهاز المخابرات العراقي بعد يومين من بيان له، قال خلاله إنه يتعرض لحملة ممنهجة تستهدف "دوره الوطني من خلال التشكيك في مهنيته والتحريض على قياداته وضباطه"، وأكد إدانته لتلك الحملة التي أطلقتها فصائل مسلحة عبر منصات مرتبطة بهل، وقال في بيانه إنه سيلاحق "المتورطين فيها ويتخذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقهم".
ضربات جوية جديدة تستهدف الحشد الشعبي
يتواصل التصعيد الأمني في العراق دون توقف، حيث تجددت الغارات الجوية على مواقع لـ"الحشد الشعبي"، بعدة مناطق من البلاد خلال الساعات الماضية، مع توعد الفصائل بالرد على تلك الغارات. وشهدت عكاشات غرب الأنبار، وطوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين، عدة هجمات طاولت مواقع لفصائل مسلحة، تعمل تحت مظلة "الحشد الشعبي"، وأوقعت قتلى وجرحى.
وبحسب مصادر أمنية، لـ"العربي الجديد"، فقد أوقع القصف ثلاثة قتلى ونحو 12 جريحاً في مجمل تلك الهجمات، التي طاول أحدها مخزناً للسلاح، حيث أدى القصف إلى استمرار حدوث انفجارات ثانوية بالمكان ناجمة عن انفلاق قذائف وصواريخ. وتأتي هذه التطورات في سياق أمني إقليمي متوتر، إذ تتواصل هجمات تعلن فصائل عراقية مسلحة منضوية ضمن ألوية الحشد الشعبي مسؤوليتها عنها، مستهدفة ما تصفه بـ"المصالح والأهداف الأميركية"، سواء داخل العاصمة بغداد أو في مدينة أربيل بإقليم كردستان، إضافة إلى عمليات عسكرية خارج الحدود العراقية. وتؤكد الفصائل، عبر بيانات رسمية متكررة، أن عملياتها تأتي ضمن ما تعتبره دعماً لمحور إقليمي تقوده إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يضع العراق مجدداً في قلب صراع النفوذ الإقليمي والدولي.
وقال مصدر عسكري عراقي لـ"العربي الجديد"، إن "مقرات هيئة الحشد الشعبي تعرضت لما يقارب 90 ضربة جوية في مناطق متفرقة من البلاد منذ بداية التصعيد العسكري الإقليمي ودخول فصائل مسلحة عراقية على خط المواجهة، وحصيلة تلك الضربات تجاوزت 64 قتيلاً وأكثر من 111 جريحاً من عناصر الحشد، فضلاً عن أضرار مادية كبيرة طاولت البنى اللوجستية ومواقع الانتشار.
وبيّن المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "الضربات توزعت على قواطع عمليات متعددة شملت محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى وأطراف العاصمة بغداد، إضافة إلى مناطق قريبة من الحدود الغربية، ونمط الاستهدافات اتسم بالدقة والتركيز على مواقع يعتقد أنها ذات طابع عملياتي أو لوجستي، وليس على مقرات إدارية فقط".
وأضاف أن "الهجمات الجوية شهدت خلال الأيام الأخيرة تصاعداً ملحوظاً من حيث التكرار ونطاق الانتشار الجغرافي، حيث نفذت بعض الضربات على شكل هجمات متعاقبة خلال ساعات قليلة، في محاولة لإرباك منظومات الانتشار وتقليل فرص إعادة التموضع السريع داخل المواقع المستهدفة".
وأكد المصدر العسكري أن "القيادات الميدانية في الحشد الشعبي، شرعت بتنفيذ سلسلة إجراءات عسكرية احترازية للحد من الخسائر، تضمنت إعادة توزيع المقرات وتقليل التجمعات داخل المواقع الثابتة، واعتماد انتشار مرن للوحدات، إضافة إلى تعزيز إجراءات التمويه الأمني وتغيير أنماط الحركة والإمداد اللوجستي".
وتابع: "بعض المقرات حُوِّلَت إلى نقاط تشغيل مؤقتة بدلاً من مواقع ثابتة، مع تقليل استخدام المخازن المركزية والاعتماد على توزيع المعدات والعتاد في مواقع متعددة لتقليل تأثير أي استهداف محتمل، كذلك رُفع مستوى الإنذار في عدد من قواطع العمليات، وفُعِّلَت خطط الطوارئ الخاصة بالإخلاء السريع والاستجابة الطبية الميدانية".
من جهته، قال الخبير في الشؤون الأمنية سيف رعد، لـ"العربي الجديد" إن "الضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت مقرات تابعة لهيئة الحشد الشعبي في عدد من المدن العراقية تمثل مؤشراً واضحاً على تصاعد مستوى المواجهة غير المباشرة داخل الأراضي العراقية، واستمرار هذه العمليات خلال فترة زمنية قصيرة يعكس تحولاً في طبيعة الصراع من رسائل ردعية محدودة إلى عمليات ضغط عسكري متبادل".
وبيّن رعد أن "استهداف مواقع في قضاء طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين، بالتزامن مع قصف موقع آخر في منطقة عكاشات بمحافظة الأنبار، يدل على وجود بنك أهداف واسع ونمط عمليات يعتمد على توزيع الضربات جغرافياً لإيصال رسائل استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، واختيار مواقع متباعدة شمالاً وغرباً يشير إلى محاولة إظهار القدرة على الوصول إلى مناطق مختلفة داخل العراق في توقيت متقارب".
وأضاف أن "هذه الضربات تأتي في سياق تصاعد العمليات التي تعلن فصائل مسلحة عراقية تنفيذها ضد مصالح وأهداف أميركية داخل العراق، خصوصاً في بغداد وأربيل، إضافة إلى عمليات خارج الحدود، ما يجعل الساحة العراقية جزءاً من معادلة ردع إقليمية أوسع مرتبطة بالحرب القائمة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران والقوى المتحالفة معها من جهة أخرى".
وحذر رعد من أن "استمرار هذا النمط من الاستهدافات قد يؤدي إلى رفع مستوى المخاطر الأمنية، وهذا يعني أن العراق دخل مرحلة (الرد مقابل الرد)، وهو ما قد ينعكس على الاستقرار الداخلي ويضع الحكومة العراقية أمام تحديات متزايدة تتعلق بضبط إيقاع الفصائل المسلحة ومنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية".
وشدد على أن "المرحلة الحالية تتطلب تحركاً سياسياً وأمنياً مزدوجاً، يتمثل بتعزيز الجهد الدبلوماسي لخفض التوتر الإقليمي، بالتوازي مع إجراءات داخلية تهدف إلى حماية السيادة العراقية وتقليل احتمالات التصعيد العسكري، فيجب الحذر من أن استمرار الضربات دون مسار تهدئة واضح قد يقود إلى موجة تصعيد أوسع يصعب احتواؤها على المدى القريب".
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، تتزايد الدعوات السياسية والأمنية لفتح تحقيقات رسمية وتوضيح ملابسات الضربات الأخيرة، بالتوازي مع مطالبات بتحييد العراق عن صراعات المحاور الإقليمية، خشية انزلاق البلاد إلى موجة تصعيد أوسع قد تؤثر بالوضع الأمني والاقتصادي، وتعيد مشاهد التوتر العسكري إلى الواجهة بعد سنوات من التراجع النسبي في مستوى العنف.
