Arab
رحمه الله جبرا إبراهيم جبرا، لم يُحيّرنا في مغزى تسميته أحد كتابيْ مذكّراته "البئر الأولى"، فأوضح لنا أنها بئر الطفولة، و"تجمّعت فيها أولى التجارب والرؤى والأصوات، أولى الأفراح والأحزان، والأشواق والمخاوف". أما صديقُنا سامر رضوان، سامحه الله، فجعلنا في حيص بيص، بشأن مغزى تسميته المسلسل الذي كتبه وشاهدناه في رمضان المنقضي "الخروج إلى البئر" (إنتاج "ميتافورا")، فلم نقع على يقينٍ حاسمٍ بشأن هذه البئر، وقد جاءَ إلى منام البطل الرئيس، سلطان الغالب (جمال سليمان)، في أولى الحلقات، كابوسٌ أنه يسقُط في بئرٍ، وفي الحلقة الأخيرة نراه يختار سقوطاً من علوّ، وبفعل المونتاج والحيلة البصرية يهوي إلى بئر... ولكن، هل هي "بئر الخيانة"، مثلاً، وقد أسقَط نفسَه فيها، وهو سجينٌ في معتقل صيدنايا، لمّا "تعاون" مع مخابرات النظام السوري (الساقط لاحقاً)، فخرج من السجن، قبل أن يُعاد إليه في تتابعٍ قصصيٍّ ودراميٍّ شائق؟ ربما. وفي البال أن فيلماً مصرياً سمّاه صانعوه "بئر الخيانة" (بطولة نور الشريف، 1987)، عن عمل بطله الرئيس مع "الموساد".
لنا أن نغادر الانشغال بهذه "الأحجية"، ونفترض، من عنديّاتنا، أن سامر رضوان صنع بئراً من حكاياتٍ، عميقةٍ في أبعادها وظلالها ومقاصدها، تتناسل خيوطُها من خيوطِها، فقد رأينا على الشاشة أن ما من شخصيةٍ، ولو ثانوية، إلا ولها حكايةٌ من الشائق أن نعرفها نحن النظّارة، وأن نلتقط زوايا فيها ومنها، ليس فقط لمضاعفة الجاذبية والتشويق، وإنما أيضاً لمتعةٍ في ملاحقة إحالات المسلسل إلى شرائح متعدّدة في المجتمع السوري في ظرفٍ مضى، فشوهدت شخصياتٌ بلا عدد ممتلئةً، عاين العمل، نصّاً وتمثيلاً وإخراجاً، تناقضاتها وأحلامها وقلقها وآمالها ومباهجها وانكساراتها، وكان نجاحُه في هذا بليغاً، فليس صائباً كلام بعضهم عن "حشوٍ" هنا، إذ ليس تفصيلاً عارضاً أن رئيس المخابرات، اللواء ناصيف بدران، الشديد البطش وعديم الحساسية في القتل والظلم والاستغلال والفساد، وقد تفوّق عبد الحكيم قطيفان على نفسه في تأديته هذا الدور باقتدارٍ استثنائي، يقيم في حشاياه حبّ امرأةٍ (لافتٌ أنها طبيبة نفسية)، أدّت دورها ريم علي، نجده ضعيفاً أمامها، بل عاجزاً وحائراً، قبل أن نراه، في أواخر مشاهد المسلسل، يأمُر بتصفيتها.
صحيحٌ كل الصحّة أن المسلسل الذي أبدع المخرج محمد لطفي في استنفار طاقات الممثلين في تعبيراتهم، الداخلية والخارجية، ينبني على انتفاضتي سجناء في "صيدنايا"، قبل 18 عاماً، وعلى مسارات أفراد أسرة أحد نزلاء هذا السجن، وأخذنا في التفاصيل إلى جماعاتٍ جهاديةٍ في العراق، ومنازعاتٍ ميدانيةٍ واستخباريةٍ مع الأميركان هناك، وإلى حكايةٍ تنتهي نهايةً سعيدةً لشابّة تفرّ خوفاً من أبيها، بعد تلفيق زوجها (طليقها تالياً) خيانتها، ولكنه صحيحٌ أيضاً أن "الخروج إلى البئر" عن الناس في عمومهم، أغنياء وفقراء، ضحوكين ونكديين، ساذجين وخبثاء، بسطاء ومُربكين. وجاء حضور السجن لا ليتشخّص في المسلسل تجبّر نظام ومراوغاته واستخفافُه بأبسط حقوق البشر، وإنما أيضاً ليُضاء على جدالات أهل الإسلام السياسي، الجهادي والقاعدي والإخواني وغيرهم، فيما بينهم. ويُفتح قوسٌ هنا، لإشهار إعجابٍ بتأدية غطفان غنّوم ونضال نجم وقاسم ملحو وشادي الصفدي وزملائهم أدوار مشايخ متشدّدين وعقلانيين وبيْن بيْن، وإعجابٍ بسجالاتٍ فيما بينهم، انكتبت عن دراية ظاهرة.
تكامل هنا سيناريو مُتقن مع إخراجٍ أجاد في غير موضع، فانتقالات الكاميرات بين زوايا وزوايا، ومن فضاءاتٍ مفتوحة إلى أخرى مغلقة، في سجنٍ واسع، بحجرات وممرّات ومهاجع غير قليلة، وفي صحارى عراقية، وديكورات بيوتٍ متقشفةٍ هناك. وفي شوارع ممتدّة، وفي أزقة ضيقة، وفي مساجد صغيرة ومكاتب فخمة، و... إلخ. واتّسقت قصص حبٍّ مرتبكةٍ مع مرح نساءٍ يعرفن كيف يفرحن، ويعايشن الخوف والقلق والتوتّر أيضاً. وفي هذا كله، وكثير غيره، تتابعت ثلاثون حلقة لمسلسلٍ قال مشاهدون إنه الأكثر إمتاعاً ومؤانسةً، في موسم الدراما الرمضاني أخيراً، وحقّق فيه جمال سليمان إضافة ظاهرة إلى مساره، نجماً كبيراً، وقد تنوّعت تحوّلات شخصيته، الهادئة السمت، والمتريثة في انفعالاتها، ثم الساخطة الثائرة. وأبهجنا التعرّفُ على قدرات ممثلين عراقيين ذوي موهبةٍ عالية، جواد الشكرجي وغيره. ومنذ أولى الحلقات، بقينا نخرُج من حكاية إلى أخرى في بئر سامر رضوان ومحمد لطفي، وبدَت، في الأثناء، فائقةَ القيمة قولةُ جبرا في مذكّراته "حياتُنا ما هي إلا سلسلةٌ من الآبار".

Related News
بنك إنجلترا يحذر من المخاطر المالية لحرب الشرق الأوسط
aawsat
5 minutes ago
صرخة صاروخ !
alaraby ALjadeed
8 minutes ago