Arab
سارع الإعلام الأميركي إلى قرع طبول الحرب، كما فعل سابقاً في الحرب على العراق وما سمّيت الحرب على الإرهاب ما بعد هجمات 11 سبتمبر في نيويورك. عندما تكون "الأمة" في حرب مع "العدو"، لا مجال لوجهتي نظر في القضية: إما معنا أو ضدنا. تطرح الرواية الإعلامية للحرب الدائرة القليل من الأسئلة عن مدى مشروعيتها في مقابل الحديث عن كلفتها ونتائجها، وهي تلهث وراء سرعة العمليات العسكرية وتمدّدها العشوائي الذي لا مجال لتوقعه، فضلاً عن فرض إدارة الرئيس دونالد ترامب قيوداً غير مسبوقة على التغطية الإعلامية، بما في ذلك منع وزارة الدفاع مؤسّسات إعلامية كبيرة من حضور المؤتمرات الخاصة بالإعلام عن الحرب.
تقود التغطية إلى حد كبير التصريحات الرسمية، على غرار تغطية الحروب السابقة، وبشكل خاص تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغست التي تضجّ بالفوقية العسكرية والشوفينية الشعبوية. الوزير الشاب، مقدّم البرامج السابق في فوكس نيوز، اليميني نصير الحروب الأميركية، يستوحي من نسق رئيسه في التواصل العنيف مصرّحاً، على سبيل المثال، "إذا هدّدت الأميركيين في أي مكان على وجه الأرض سوف نطاردك من دون اعتذار ومن دون تردد وسنقتلك" أو "نحن محاربون، مدرّبون على قتل العدو وكسر إرادته"، طالباً من الجنود الاميركيين أن "لا يستمعوا إلى الضجيج" أو يتابعوا "الأخبار المزيفة"، باعتبار أن عليهم أن ينفذوا الأوامر فحسب، والنصر بانتظارهم. وفي عُرف وزير الحرب "التاريخ لا يكترث إن كنا متعبين، أو خائفين، أو إن كان القتال يبدو سيئاً". في الأفلام الدعائية التي وزعها البيت الأبيض، لا تبدو الحرب مجرّد مباراة كرة قدم كما كانت تُصور في الحروب السابقة، بل حفلة مرح يسقط فيها الضحايا على وقع الموسيقى، وكأن سقوطهم مقطعٌ من كوميديا سوداء مسلية. قد يكون وزير الحرب بين قلة إلى جانب رئيسه يستمتع بالحرب وبالانتصارات الحقيقية أو الوهمية التي يحققها. يصف الأعداء بـ"الإرهابيين الجبناء"، متفاخراً بـ"أننا نضربهم وقد سقطوا، وهذا بالضبط ما يجب أن يكون عليه الوضع". على نسق وزيره، يتسلّى ترامب بالنكات على الخسائر التي يلحقها بـ"العدو" قائلاً، في ما يقول في يوميات العنف اللفظي الذي يهوى ممارسته، إنه سئل بشأن عدم توقيف طواقم بواخر إيرانية عوضاً عن إغراقها، وأجاب "إغراقهم أكثر مرحاً من توقيفهم".
العنف اللفظي غير المسبوق من مسؤولين رسميين في إدارة الحرب ترافقه تغطية غير اعتيادية لحرب غير مسبوقة في المنطقة. يردّد المراسلون البيانات الرسمية لأطراف الحرب، بما في ذلك استخدام التعابير التي تسهم في تطبيع العنف باعتباره أمراً لا مفرّ منه. ينشغل معظم هؤلاء في تفسير البيانات الصادرة بشكل خاص من الجيش الإسرائيلي، مردّدين فحواها على غرابته، ما يمنح هذه البيانات طابعاً اعتيادياً، من ذلك استخدام تعبيرات مثل "تقدّم" قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان عوضاً عن اجتياح واحتلال، أو "استهداف" عوضاً عن تدمير أو قتل، و"إخلاء" عوضاً عن تهجير قسري واقتلاع. قدّمت ساحة الحرب في لبنان مشهدية أقرب ما تكون إلى ساحة الإبادة في غزّة، إلا أن التغطية التي امتازت بنبرة ومضمون من التعاطف أكبر بكثير مما شهدناه في الحرب على غزّة تساهم، إلى حدٍّ ما، في تطبيع عمليات التدمير الهائل والمنظّم عبر نقل بيانات آلة الحرب الإسرائيلية ووقائع تدمير الأبنية، بحسب برنامجها، وتقاليده، مثل الإنذارات التي تطلب من الأهالي ترك منازلهم قبل أن تتحول إلى ركام وغيرها. ولعل هذا التطبيع نتيجة تأقلم المواطنين أنفسهم مع نمط حياة أشبه ما يكون بالسريالي.
عنف لفظي غير مسبوق من مسؤولين رسميين في إدارة الحرب
إنها حرب غير تقليدية، تتسابق التغطية الإعلامية لوقائعها المتحوّلة على مدار الساعة ما بين التغطية الميدانية لأعمال القصف وضحاياه والتحليل الجيوستراتيجي على شاشات التلفزة ويتحكّم فيها الذكاء الاصطناعي، باعتباره آلة أساسية في آليات الحرب، وفي التضليل الإعلامي عبر الصور المفبركة واستحالة التدقيق في حقيقتها ومعركة السرديات المعلوماتية بين أطراف الحرب. إنها أيضاً حرب تدور رحاها في ظل تقييد واسع على حرية الوصول إلى الميدان ونقل الوقائع منه، يمارسها جميع الأطراف. ينفي الإعلام الرسمي الإيراني الخسائر التي يعلنها الفريق الآخر، بما في ذلك الاغتيالات، مروّجاً أنها جزء من الحرب السيكولوجية من العدو قبل أن يعترف بها. على الوصول إلى مواقع القصف ونقل آثارها وهوية ضحاياها قيود في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل التي تدّعي حرية الإعلام مقارنة بما هو الأمر في العالم العربي. أفاد موقع +972 بأن الإعلام المحلي والدولي محظور عليهما نشر الموقع الدقيق لسقوط الصواريخ الإيرانية، أو حتى تصوير أو توثيق حجم الضرر بطريقة قد تكشف الموقع، "لمنع تقديم المساعدة للعدو في أثناء الحرب" بحسب رئيس الرقابة في الجيش. وفي الولايات المتحدة، حيث الإعلام "الحر"، وبّخ الرئيس ترامب الإعلام الأميركي، مهدّداً بمقاضاة كل من يخالف السردية الرسمية في نقل الحرب بتهمة الخيانة العظمى، بحجة مساعدة أعداء البلاد. وبلغ الأمر حدّ تهديد رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية بريندان كار بسحب تراخيص شركات الإعلام إذا لم تمتثل للتعليمات الرسمية. إذا ما أخذنا في الاعتبار إصرار ترامب على مقاضاة شبكة الإعلام العمومي البريطانية (بي بي سي) فإن التهديد لوسائل الإعلام الأميركية بالمقاضاة أو سحب الرخصة خطر لا يمكن لهذه المؤسّسات الاستهانة به.
الجديد في الحرب، في طبيعتها، وفي تغطيتها، لا يغيّر من حقيقتها باعتبارها تروما يدفع ثمنها مدنيون لم يعودوا قادرين على تحمّل تبعاتها. أتاحت عودة المراسلين الدوليين الى المنطقة نقل صورة أكثر إنسانية وأقلّ تنميطاً للضحايا. وما ساهم في أنسنة الرواية إلى حد كبير معايشة المراسلين، ومعظمهم متمركز في لبنان، حجم الدمار وعنفه، فضلاً عن ارتفاع نبرة معارضة الحرب على المستوى الرسمي في الغرب، وانعكاس النبرة في التغطية الإعلامية بشكل عام والحوارات المتلفزة خصوصاً. يبقى أبطال التغطية الإعلامية المراسلون المحليون الذين غابوا مجدّداً عن الاهتمام، وهم الصوت الحقيقي لمجتمعاتهم. تغطية الحرب التي يدفعون ثمنها هم أيضاً، بالنسبة لهؤلاء، قصة أخرى تستوجب حديثاً مطوّلاً يتجاوز هذه السطور.
