Arab
لا يُمكن تفسير ما يجري في لبنان سوى بأنه "لحظة الحقيقة". هي لحظة يتجلّى فيها التاريخ اللبناني، قبل الاستقلال عن فرنسا في عام 1943 وبعده، بكل تناقضاته. منطق التجاهل أو التسامح أو حتى المسايرة أوصل إلى حيث كان من المفترض أن تصل إليه الأمور: إلى عدوان إسرائيلي شامل، بفعل فتح حزب الله جبهة إسناد لإيران. "لحظة الحقيقة" في لبنان كانت آتية في نهاية المطاف، تلك التي تنزاح فيها الأقنعة وتظهر حقيقة كل طرف: دولة لبنانية مهترئة بفعل موروثٍ متشعّبٍ من الفساد والسياسات الضيّقة وغياب رجال الدولة، وصولاً إلى حاضرٍ غير مبشّر أبداً، وحزب الله الذي ضرب عرض الحائط بكل مفاهيم الخضوع لسلطة الدولة، بحجّة غيابها، والاحتلال الإسرائيلي، الذي لم نعرف يوماً كيف نصوغ مساراً لمواجهته أو مفاوضته، رغم رسم الحدود البحرية معه في عام 2022، بمباركة حزب الله.
وإذا كان الماضي مربوطاً باللحظة التي مرّت ولا يُمكن تغييرها ولا العيش في ظلالها، فإن الحاضر بوجهه المأساوي، يظهر وكأن ردة الفعل الضعيفة للدولة اللبنانية تجاه مجريات الأحداث المتسارعة تُبعد مسارات الأمل ببناء دولة موحّدة، رغم أن غاية الرسميين في هذه الدولة ليست كذلك، بل إنهم أضحوا أسرى مجرياتٍ أكبر منهم ولا قدرة لهم لا على تغييرها ولا تعديلها ولا التدخّل في مسارها، وهو ما ظهر في مسألة التجاهل الدولي لمبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون لوقف العدوان. إنها "لحظة الحقيقة" لحزب الله أيضاً، في أصعب مرحلة في تاريخه منذ 1982، ستقرّر مصير بيئته وجنوب لبنان لفترة طويلة. هي أيضاً "لحظة الحقيقة" لمفهوم العلاقات بين الطوائف اللبنانية، وفي صلبها، رغم أن الوقت ليس ملائماً بفعل تسارع الأحداث. في لحظة ما في مستقبل قريب أو بعيد، ستقف الطوائف لوهلة، وترى نفسها وسلوكها في هذه المرحلة. لن تشبه أي مرحلة سابقة في تاريخ لبنان، لأنه دائماً ما يلي ظهور الحقيقة نتائج مجرّدة من "تمسيح الجوخ".
حين يتوقف العدوان، أياً كانت نتيجة توقفه، ستُطرح أسئلة كثيرة بشأن مستقبل لبنان، في حال ظلّ على حدوده الحالية، مع تطاير التسريبات بشأن اقتطاع أجزاء من أراضيه، معطوفة على ضعف انتماء لبنانيي الهوية إليه، باسم "حرّية التعبير". ... كثير من هذه الأسئلة طُرحت في أيام الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، ومنها تقسيم البلاد أو فرزها كيانات فيدرالية ضمن دولة لامركزية وغيره، لكنها لم تأت بإجابة في حينه، أو حتى لأن الظروف لم تكن بالحدّة التي هي عليها، مع تشابك الوضع اللبناني مع كامل أرجاء الإقليم. ستكون "لحظة الحقيقة" المرتقبة مزيجاً من طرح أسئلة الجماعات اللبنانية كلها، إذ لا يُمكن العودة في المستقبل إلى ما كنا عليه من تضعضع القرارات والمواقف.
من الصعب فهم كيف ينتهي هذا العدوان، لكنّ على ما تبقى من مركزية قرار لدى الدولة اللبنانية التحرّك. قد تكون كرة النار المتناقلة منذ عقود الأكبر بين أيدي الرئيس جوزاف عون، لكنه قدره الذي لم يختاره. لا يمكن له ولغيره في هذه الحقبة الإدلاء بمواقف أقرب إلى "نصائح أبوية"، بل عليه وعليهم التحرك كرجال دولة مسؤولين عن إنقاذ ما تبقى، لتمهيد الطريق أمام "لحظة الحقيقة". العهد الرئاسي سيستمر وفق الدستور حتى عام 2031، فإذا توقّفت الحرب الإسرائيلية الآن، كيف سيتابع عون سنوات عهده الباقية؟ وأي حلول سيعتمدها لمعالجة أزمةٍ آخذةٍ بالاستفحال، قوامها نزوح أكثر من مليون لبناني، حتى صباح اليوم السبت، ولو أنه لا يتحمّل مسؤولية نزوحهم، لكن القدر وضعه على رأس الدولة اللبنانية، ولأجل هذا القدر وهذا الشعب وهذه المرحلة، يحتاج لبنان إلى قائدٍ يعرف ما الذي يريده ويسعى إلى تطبيقه، أو أقله ليقل "لا قدرة لي"، وإلا فإن ما سيلي الحرب سيكون أبشع بكثير من الفترة الحالية.

Related News
مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران
aawsat
3 minutes ago