Arab
تلقي الظروف الاقتصادية والسياسية بظلالها على عيد الفطر في الضفة، وتختلط مشاعر الفرح المعتادة بشيء من القلق والحذر، لكنهم يحاولون الحفاظ على طقوس العيد رغم الأوضاع المعيشية الصعبة
تتسابق العائلات الفلسطينية في العادة للتجهيز لعيد الفطر، الذي يشكل مناسبة دينية واجتماعية في آن واحد، وتكتظ الأسواق بالمتسوقين، لكن المشهد يختلف هذا العام. في شوارع نابلس، كبرى مدن شمال الضفة الغربية المحتلة، التي تعتاد أن تنبض بالحياة في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، تبدو الحركة أقل، ووضعت بعض المحال التجارية لافتات تخفيضات، لمحاولة جذب الزبائن، بينما يقف أصحابها مترقبين موسماً يقولون إنه لا يشبه المواسم السابقة.
يقول محمود أبو هنطش (38 سنة)، وهو موظف حكومي وأب لخمسة أطفال، لـ"العربي الجديد" إن "تحضيرات العيد هذا العام محدودة للغاية مقارنة بالسنوات الماضية. الأوضاع صعبة في ظل المؤشرات المتدنية لاحتمال صرف الحكومة الرواتب في وقت مبكر، علماً أنها اعتادت صرف بين 70 أو 60% من الرواتب طوال الأشهر الماضية. وحالياً يرضى الناس بأقل من ذلك لكن الصورة سوداوية". يتابع أنه "في السنوات التي سبقت عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2023، كنّا نشتري ملابس جديدة لكل الأطفال، ونجهّز كعك العيد قبل نحو أسبوع، أما هذا العام فالأمر مختلف. اشترينا فقط ما هو ضروري جداً، لأن الوضع الاقتصادي صعب، والرواتب غير مستقرة".
وتقول زوجة محمود التي رافقته للتسوق للعيد، لـ"العربي الجديد": "لا يُدرك الصغار ما يحصل، همهم فقط شراء الملابس والألعاب والحصول على العيدية. سنحاول بقدر الإمكان أن نحافظ على ذلك، لكن الحقيقة أن الظروف تفرض علينا تقليص كل شيء". وتتحدث إيمان حمدان (44 سنة)، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال من النازحين من مخيم جنين، وتقيم اليوم في قرية عانين غرب جنين، لـ"العربي الجديد" عن أن "تحضير كعك العيد لا يزال تقليداً تحرص عليه رغم الظروف، وحتى لو لم نستطع شراء كثير من الأشياء، يبقى الكعك جزءاً من روح العيد، وصنعنا هذا العام كمية أقل بكثير، لكنني أردت أن يشعر الأطفال بأن العيد قادم". وتوضح أن "أسعار المواد الأساسية ارتفعت بشكل ملحوظ، ما جعل إعداد الكعك نفسه أكثر تكلفة من الأعوام السابقة. ارتفعت أسعار الدقيق والسمن والتمر، لذا اضطررنا إلى تقليل الكمية. في السابق كنا نصنع كعكاً يكفي الضيوف والجيران أيضاً".
من جهته، يقول جاد دراغمة (27 سنة)، وهو سائق سيارة أجرة من مدينة طوباس، لـ"العربي الجديد": "الحركة التجارية ضعيفة هذا العام ما ينعكس على دخلي اليومي. في العادة يكون رمضان موسم عمل جيد للسائقين، بسبب التسوق وزيارات العائلات، لكن الحركة أضعف هذا العام، ويفضل كثير من الناس البقاء في البيت لتوفير المصاريف". ويخبر دراغمة بأنه لم يشترِ ملابس جديدة لنفسه هذا العام، لكنه حاول شراء بعضها لزوجته وطفليه، ويقول: "لا ذنب للأطفال في كل ما يحدث. حاولت أن أشتري لكل واحد قطعة ملابس جديدة على الأقل كي يشعروا بفرحة العيد".
وتقول منال مقبول (22 سنة)، وهي طالبة جامعية من مدينة طولكرم، لـ"العربي الجديد": "تختلف أجواء العيد هذا العام حتى على المستوى الاجتماعي. في السابق كنا نخرج مع العائلة إلى الأسواق والمقاهي خلال الليالي الأخيرة من شهر رمضان، وكانت الشوارع مزدحمة ومليئة بالحياة، أما الآن فالناس أكثر هدوءاً وأقل احتفالاً". تتابع: "باتت عائلات كثيرة تقلل الزيارات أو الاحتفالات الكبيرة. بالطبع يحاول الناس الحفاظ على روح العيد، لكنهم يفعلون ذلك بطريقة أبسط بكثير".
وفي أحد أحياء مدينة نابلس، يقول أبو أحمد خليل (63 سنة)، وهو متقاعد، خلال جلوسه أمام متجر صغير، لمتابعة حركة المارة القليلة نسبياً، لـ"العربي الجديد": "كانت الأعياد في الماضي أكثر دفئاً من الناحية الاجتماعية. كان عيد الفطر يبدأ فعلياً قبل أسبوع، حين تزدحم الأسواق بالناس الذين يشترون الهدايا والملابس، وتفتح البيوت للزيارات طوال أيام العيد، أما اليوم فتغيّرت أشياء كثيرة، وأصبح الناس يفكرون كثيراً قبل شراء أي شيء، وهذا أمر مفهوم في ظل الظروف الاقتصادية".
ولا تقتصر التغيّرات على الجانب الاقتصادي إذ تمتد إلى الحالة النفسية، بحسب ما تؤكد ليلى المصري (45 سنة)، وهي معلمة في مدرسة حكومية، والتي تقول لـ"العربي الجديد": "ترتبط الأعياد بالشعور بالأمان والاستقرار، وعندما يشعر الناس بقلق على المستقبل أو الوضع الاقتصادي، يصعب أن يعيشوا فرحة العيد كما في السابق. ورغم ذلك تحاول عائلات كثيرة الحفاظ على الحد الأدنى من الطقوس التقليدية، وتعتبر أنه حتى لو كان العيد بسيطاً يبقى مناسبة مهمة للأطفال والعائلة".
وفي وسط مدينة قلقيلية، يقول أحمد نزال (34 سنة)، وهو صاحب متجر لبيع ملابس الأطفال، لـ"العربي الجديد": "الإقبال على الشراء أقل من المعتاد. في الأعوام الماضية كانت هذه الأيام ذروة الموسم، وكان الناس يشترون أكثر من طقم ملابس لكل طفل، أما هذا العام فتشتري كثير من العائلات قطعة واحدة، كما أن بعض الزبائن يدخلون المتجر ويغادرون من دون شراء لمقارنة الأسعار، ويبدو جلياً أنهم يحاولون توفير المال بقدر الإمكان".
ورغم ذلك، يؤكد كثير من المواطنين أن العيد لا يزال يحمل معنى خاصاً بالنسبة لهم حتى لو تغيّرت مظاهره، وتقول هدى أبو زيد (50 سنة)، وهي موظفة في مؤسسة أهلية بمدينة قلقيلية لـ"العربي الجديد": "العيد ليس فقط ملابس وحلويات، بل اجتماع العائلة وصلاة العيد وزيارة الأقارب، وهذه الأشياء لا يمكن أن تختفي مهما كانت الظروف". لكنها تعترف بأن الأعياد الماضية كانت أكثر بهجة، وتقول: "ما نفتقده اليوم هو الشعور العام بالفرح والأمان. كان الناس أكثر تفاؤلاً في السابق".
ويشير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية تفاقمت بشكل ملحوظ خلال العامين الأخيرين، خاصة بعد منع عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل. ويقول الخبير الاقتصادي نائل موسى لـ"العربي الجديد": "بعدما كان نحو 107 آلاف شخص من الضفة يعملون داخل إسرائيل عام 2023، تراجع هذا العدد إلى نحو 21 ألف عامل عام 2024، و6 آلاف العام الماضي، ما يعني أن عشرات الآلاف فقدوا مصادر دخلهم الأساسية خلال فترة قصيرة. وقد ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 38% العام الماضي مقارنة بنحو 31% عام 2024 و18% فقط قبل الحرب على غزة، ما انعكس مباشرة على قدرة العائلات على تلبية احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الاستعدادات التقليدية للأعياد".
ويرى موسى أن "المعضلة الكبرى اليوم تكمن في مواجهة آلاف الموظفين الحكوميين صعوبات مالية متزايدة نتيجة عدم قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب كاملة، أو في مواعيدها، بسبب أزماتها المالية، ما يتسبب في خسائر كبيرة في دخل الأسر الفلسطينية، ويحتم تراجع القوة الشرائية في الأسواق". وتقدّر تقارير دولية أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر عشرات الملايين من الدولارات يومياً نتيجة تراجع الدخل والعمل.

Related News
كوكوريا: وديّة مصر مهمة للغاية
aawsat
16 minutes ago
جدول مباريات اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 والقنوات الناقلة
al-ain
19 minutes ago
توبة متمسك باللعب لمنتخب الجزائر
aawsat
22 minutes ago