Arab
يعيش نازحو مراكز الإيواء والخيام في لبنان على حافة النجاة، أمنياتهم الوحيدة أن تتوقف الحرب الإسرائيلية التي جعلت حياتهم وأعيادهم مجرد ذكرياتٍ مبعثرة، ومحطة انتظارٍ طويل للأمان والعودة.
فرضت الحرب الإسرائيلية على لبنان إيقاعها القاسي على تفاصيل الحياة، وغابت فرحة عيد الفطر عن معظم الناس، إذ لا بيوت تُفتح لاستقبال الأقارب، ولا تجمعات في الساحات. يعيش كثيرون على حافة النجاة، ينتظرون العودة إلى بيوتهم وقراهم، فيما الأطفال يحاولون التمسك بأحلام العيد، وسط واقع تبدلت فيه الأولويات وبات الأمان هو الأمنية الوحيدة.
قصصٌ وحكاياتٌ كثيرة يختزلها نازحو لبنان منذ تجدد العدوان الإسرائيلي في 2 مارس/آذار الماضي، فهم أبناء قرى ومناطق تقع في الجنوب والشرق، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، نشأوا وكبروا فيها، بنوا منازلهم ومحالهم ومؤسساتهم، خلقوا ذكرياتٍ وعاشوا الكثير من المحطات، حتى بات لسان حالهم اليوم، "حبّذا لو أمكننا حمل منازلنا في حقائب الرحيل".
في ثانوية فخر الدين المعني بمنطقة برج أبو حيدر في بيروت، يستعيد السبعيني محمود عياش، القادم من قرية قعقعية الجسر (جنوب)، ذكريات العيد. ويقول لـ"العربي الجديد": "كان العيد بالنسبة لنا هو اجتماع العائلة، لديّ شابّان وثلاث شابّات، لكنّنا تفرّقنا جميعاً في هذه الحرب. كنا ننتظر العيد كل عام كي نجتمع، كانت تُعدّ زوجتي الطعام والحلويات، ويأتي أولادي والأقارب، ونقضي العيد معاً". لا يُخفي الحاج محمود دمعته متأثراً بغيابه عن منزله، واشتياقه لقريته، ويضيف: "لدينا نهرٌ في القرية نرتاده أيضاً في العيد مع العائلة، أهل القرية يحبّون الضحك والمزاح والسباحة عندما يكون الطقس مشمساً، دُمّرت بيوت كثيرة، فأيّ عيد سيأتي علينا هذا العام؟ لم يعد هناك عيد".
دُمّرت البيوت وتشتّتت العائلات ولم يبقَ سوى الحنين والذكريات، واختفت طقوس العيد وسُرقت فرحة الأطفال
لا تختلف حال قاسم هاشم القادم من بلدة حاروف جنوبي لبنان إلى المدرسة ذاتها، إذ نزح مع والدَيه وزوجته وأطفاله الأربعة الذين تُراوح أعمارهم بين الخامسة والثانية عشرة. ويقول لـ"العربي الجديد": "إنّه نزوحنا الثاني إلى نفس المكان، لكنّه الأول في شهر رمضان، وهذا العيد سيكون صعباً علينا خارج قريتنا وبيتنا. شهر رمضان له خصوصية كبيرة، إذ تجتمع فيه العائلات عادة. أطفالي ينتظرون العيد لشراء الثياب والخروج والاحتفال، لهذه المناسبة مكانة خاصة لديهم. أما بالنسبة للكبار فهو أيضاً مناسبة جميلة، إذ ينتهي شهر رمضان وتلتقي العائلة مجدداً، يأتي الأقارب من بيروت إلى الجنوب أو العكس، وتجتمع العائلات. لكن هذه الطقوس اختفت تماماً بسبب الحرب والتهجير".
ويُكمل قاسم: "النزوح صعب عموماً، ويزداد صعوبة عندما يحدث في شهر مثل رمضان. الأطفال يحاولون فهم ما يجري على قدر وَعيهم، لكنهم في النهاية لا يدركون معنى الحرب كما يدركه الكبار. هم يرون أن هذا وقت العيد، ويريدون أن يعيشوه كما اعتادوا. قد لا يعرفون كم سيكون هذا الأمر صعباً عليهم، خصوصاً لمَن هم في السادسة من العمر مثلاً، وقد وجدوا أنفسهم يعيشون الحرب". ويتابع: "ربما يظل هذا الأمر ذكرى يحتفظون بها في ذاكرتهم، وقد يخبرون أبناءهم يوماً عمّا عاشوه من نزوحٍ وحرب في مثل هذا العمر. نأمل في أن تكون آخر ذكرى من هذا النوع، وأن تكون آخر حرب، وأن يعيش الجميع في سلام. فالحرب ليست على طائفةٍ بعينها، إنّما على لبنان بأكمله".
وفي خيم مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، تروي الأمهات النازحات قصصهنّ بحسرة وألم، إذ تختلط حكايات النزوح بالخوف على الأطفال، والحنين إلى البيوت التي تُركت خلفهنّ. لكلّ خيمة حكاية، ولكلّ والدةٍ ذكرى عن عيدٍ كان يأتي محمّلاً بالفرح، قبل أن تُغيّره الحرب، وتُحوّله إلى انتظارٍ طويل للأمان والعودة.
وحكاية شذى أشرم (سورية الجنسية) إحدى تلك الحكايات. فقد عاشت شذى في منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت منذ طفولتها، وكبرت تزوجت هناك، قبل أن تجبرها الحرب على النزوح برفقة زوجها وأطفالها الأربعة. وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "كل شيء تغيّر هذا العام، لم يعد هناك عيد، تشرّدنا، وحلّ علينا رمضان ونحن في هذه الظروف الصعبة".
تؤكد شذى أنّ أكثر ما يؤلمها هو حال أطفالها الذين لا يتجاوز عمر أصغرهم ثلاثة أعوام وأكبرهم 11 عاماً. وتضيف: "عادةً، كنّا نحرص على تهيئة أجواء عيد الفطر قدر الإمكان، نشتري لهم الملابس والحلويات، نزور الأقارب أو نأخذهم إلى أماكن الترفيه واللعب. أما الآن فلا شيء من ذلك، والحزن واضحٌ على وجوه أطفالي". وتتابع: "كل ما نريده اليوم هو الفرج، هو البيت والسكن والأمان. هذا أهم شيء، بعد أن تفرّق أهلي وأقاربي، وعاد بعضهم إلى سورية".
ممسكةً بيد طفلتها، تمشي فاطمة سرور في باحة المدينة الرياضية بعد ليلة صعبة قضتها مع عائلتها بسبب تسرّب مياه الأمطار إلى خيمتهم. نزحت فاطمة مع عائلتها من الضاحية الجنوبية لبيروت في اليوم الأول للحرب. وتقول لـ"العربي الجديد": "لديّ طفل بعمر 11 عاماً وطفلة بعمر السادسة، هذا أول رمضان نقضيه خارج منزلنا، كان الطفلان ينتظران العيد لنشتري لهما الملابس ونخرج معهما، أما اليوم فيسألانني عن العيد ولا أعرف ماذا أجيبهما".
وتضيف: "العيد هو البيت واجتماع العائلة، الحزن يخيّم على حياتنا اليوم، وكلّ ما أحمله هو ذكريات كثيرة عن الأعياد السابقة، كنت أقوم عند ساعات الصباح، أُجهّز طفليّ وألبسهما ثيابهما الجديدة، ثم نخرج لزيارة العائلة. كانت ضحكاتهما تملأ المكان والفرحة لا تسعهما. فأين العيد في هذه الظروف؟". وتختم فاطمة بالقول: "يدرك الطفلان أننا نعيش حرباً في هذه الأيام، وبدل أن ينتظرا صوت المفرقعات في العيد، صارا يترقبان صوت الصواريخ والمسيّرات. غاب جزء من طفولتهما وفرحهما مع خوف الحرب. هما يعرفان أنه لا عيد في هذه الظروف، وهذا أكثر ما يؤلمني".
وفي إحدى الزوايا القريبة من خيم النازحين في المدينة الرياضية، تجلس أميمة حسين فخر الدين (27 عاماً) مع أطفالها الأربعة، أصغرهم رضيع لم يتجاوز عمره ثمانية أشهر وأكبرهم بعمر تسعة أعوام. تحمل بدورها حكاية نزوحٍ أخرى، تختصرها بالحنين إلى بيتٍ تركته خلفها وإلى عيدٍ كانت تحضّر تفاصيله مع عائلتها كل عام. وتقول لـ"العربي الجديد": "هُجّرتُ من قرية شحور جنوبي البلاد، هذا نزوحي الأول في شهر رمضان، أفتقد بيتي قبل كل شيء، وراحة أولادي وراحة زوجي". تستعيد أميمة أجواء العيد في السنوات الماضية، وتتابع: "كنّا نجتمع مع العائلة في أواخر أيام رمضان، ونحضّر لعيد الفطر. كنا نشتري الملابس للأطفال ونخرج كي يتنزهوا ويفرحوا، كانت التحضيرات تبدأ منذ الصباح، حيث كنتُ أجتمع مع قريباتي لتحضير المعمول وحلويات العيد، ثم يجتمع أفراد العائلة في أجواء مليئة بالفرح. هذا العيد سيكون حزيناً وصعباً، بعيداً عن قريتي وعائلتي، وأطفالي ما زالوا صغاراً، لا يعرفون معنى الحرب، لكن ابنتي تطلب مني العودة إلى المنزل، ودائماً أطمئنها بأنّنا سنعود قريباً، وهذا ما أتمنّاه".
لا تفارق غصّة الحنين إلى الأرض والفراق صوت الحاجة وفاء فقيه من قرية رب ثلاثين في المنطقة الحدودية. وفي ثانوية فخر الدين المعني ببيروت، تجلس الحاجة وفاء بين أفراد عائلتها، مستعيدةً معنى العيد قبل أن تُغيّره الحرب. وتقول لـ"العربي الجديد": "إنّه النزوح الثاني، لكنّه الأول في شهر رمضان، والفرق كبير جداً بين أن يكون الإنسان في منزله وبين أن يعيش في صف مدرسي تحوّل إلى مأوى".
تضيف الحاجة الخمسينية: "في الحقيقة، حتى قبل هذه الحرب تغيّر العيد بالنسبة لنا. في الحرب الماضية خسرنا أشخاصاً أعزاء، وخسرنا بيوتنا في القرية. صار كل واحد في مكان. بعضهم في محافظة جبل لبنان (وسط) وبعضهم في محافظة البقاع (شرق)، وبعضهم في منطقة خلدة عند المدخل الجنوبي لبيروت أو في بلدة برجا المحاذية كذلك لمحافظة الجنوب، ونحن هنا. لم نعد نعرف كيف نجتمع كما كنا في السابق".
تستعيد وفاء ذكريات العيد قبل الحرب، وتقول: "كنا ننتظر العيد لنقصد الضيعة. هناك بيت أهلي وبيت جدي، وكذلك إخوتي. كنا نحضّر الحلويات ونزور الأقارب، ونذهب إلى المقبرة لقراءة الفاتحة على أرواح موتانا. وبعدها نجتمع حول مائدة الطعام، فنقضي يومين أو ثلاثة أيام من العيد مع العائلة. أما اليوم، فلم يعد هناك فرق بين العيد وبقية الأيام. كلّ ما نريده الآن أن تتوقف هذه الحرب، وأن يعود الناس إلى بيوتهم معزّزين مكرّمين".
وتشير الحاجة وفاء إلى أنّ الأطفال بدورهم بدأوا يدركون معنى الحرب بطريقة مؤلمة. وتضيف: "حفيدي الصغير الذي لا يتجاوز عمره أربعة أعوام، يستفسر كلما سمع صوت رعد عمّا إن كان صاروخاً أو قصفاً، ويسألني كيف سنعيد بناء بيتنا في القرية بعد أن دُمّر. يسأل كثيراً، وأحياناً نعجز عن الإجابة، لأننا نحن أنفسنا لا نعرف متى سنعود، ولا ماذا سيبقى لنا". وتختم بالقول: "كل ما نتمنّاه قبل حلول العيد أن تتوقف الحرب، وأن نعود إلى بيوتنا وأرضنا، وأن يكون هذا آخر عيد نعيشه بعيداً عن قريتنا الحدودية".

Related News
«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
aawsat
8 minutes ago
سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
aawsat
11 minutes ago