يا "نيردات" العالم اتّحدوا
Arab
1 week ago
share
حين كنت طالباً في الإعدادية، كنا نطلق عليه اسم الترين (القطار)، أو المَسْطرين (مشحاف طينة الجدران)، ثم دخلت علينا كلمة "الدحيح" من المصرية، ومن الأردنية "الدرّيس"، بالتزامن مع استحضار كلمة "جهبذ" من الفصحى، وتحوير دلالتها من "الخبير العارف"، بحسب معناها القاموسي والإيجابي، لتصبح سخريةً من ذلك الطالب المجدّ الذي يجلس في المقعد الأول، ويحصل على العلامات الكاملة، وغالباً يضع نظّارات طبية، ويلبس كنزةً بيضاء بعنق طويل، ويحبّه المدرّسون، وتعيّرنا به أمّهاتنا. وهو الذي يسمّيه المغاربيون بـ"قرّاي" أو "طوب"، والروس بـ"النباتي"، واليابانيون بـ"النحيف"، قبل أن تنتشر الكلمة الأميركية "نيرد"، وتطيح الكلمات المحلّية في جميع أنحاء العالم، مستخدمةً بوارج السينما وصواريخ السيت كوم وقاذفات الأغاني، لتصبح الكلمة المستخدَمة لدى مراهقي "جيل زد"، بغض النظر عن لغاتهم وثقافاتهم. وقد نجحت حتى في الحلول محلّ الكلمة الكورية البليغة التي تعني "ابن صديقة أمّي". يقول العارفون بالثقافة الصينية إنها لا تملك كلمة مقابلة، وإن فيها كلمات عديدة للمتفوّق والمجتهد والمنصرف كليةً إلى الدراسة، أغلبها يفيد المديح، وبعضها يفيد الحسد. ولكن ليس لديها كلمة يستخدمها المراهقون للسخرية من زملائهم المجتهدين. وربّما يمكن لخلو اللغة من تعبير يؤدّي هذه الوظيفة أن يفسّر شيئاً ما. لم أكن طالباً متفوّقاً يوماً، وكنت أشارك في حفلات التنمّر التي نقيمها نحن الفاشلين لأوائل دفعاتنا، وكنّا نعوّض فيها تقصيرنا بالسخرية ممّن يؤدّون ما عليهم. وليسامحني الله، كنت أصدّق أنهم مثيرون للسخرية، وأننا نحن الطبيعيين الذين لا يكتبون وظائفهم، ولا يستمعون لما يقال في الصفّ، ويطرشون حبراً على ظهر الأستاذ، ويهربون من فوق سور المدرسة إذا ما أتيح لهم. مع ذلك، أنا ككلّ الهَرمين الذين كانوا مراهقين يوماً، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام العشبية، أصارح نفسي بأن الحسد كان دافعي الحقيقي. يمتلئ العالم اليوم بأولئك المراهقين المتنمّرين الباحثين عمّا يغطّي فشلهم، وقد أضافوا ثلاث صفات إلى ما كنّا عليه في جيلنا: أنهوا مراهقتهم بحسب تعريف منظمة الصحّة العالمية لسنّ المراهقة، وبعضهم يتبوؤون مناصب رسمية، وأحياناً يديرون مؤسّسات إعلامية أو يعملون فيها. والثانية أنه لم يبقَ في أعمارهم أو عقولهم ما يجعلهم ينتبهون يوماً. والثالثة، وهي الأهم، أنهم يخلطون حقّاً، بشكل صادق وحقيقي، بين الكسل والاجتهاد، بين التهذيب وقلّته، بين الصحيح والخاطئ. ولا سيّما أن العالم اليوم يقوده مراهق. قد تأخذ موقفاً من قضية ما، ولتكن حرباً إقليمية، أو مجزرةً في حقّ مدنيين، أو قرارات حكومية تطيح شريحةً من المجتمع. توجّهك إليه مجموعةٌ من القيم التي تربّيت عليها، أو المفاهيم التي تثقّفت بها، وشعورك الإنساني ببساطة، وخوفك من وصول الحريق إلى بيتك، أو لأيّ سبب آخر. وفجأة، تجد نفسك ذلك الطالب الذي درس جيّداً للامتحان، وأجبت عن الأسئلة كلّها بشكل صحيح، ثم وقفت في منتصف الباحة، والضحكات الساخرة ترنّ حولك، والأصابع تشير إليك بإذلال. لستُ متأكّداً من أن تنمّرنا على متفوقي جيلنا قد أثّر في أحد منهم وجعله يرغب في الانضمام إلى الجموع، فتراجع شيئاً فشيئاً حتى صار واحداً منّا، ولا أدري إن كنت أنا نفسي، أو أنت، قد تحوّلنا إلى متنمّرين خوفاً من المتنمّرين، ولكن لا بدّ أن ذلك حدث ملايين المرّات، وأن البشرية خسرت احتمالات لا يمكن تصوّرها في الفيزياء أو الطبّ أو الأدب، لأن مراهقاً فرقع بضحكته في وجه قصيدة بدائية أو معادلة رياضية أو رسمة جيّدة. ولا شكَّ أن ذلك يحدث الآن، ويجبر أصواتاً عاقلة وإنسانية على الصمت. ويؤخّر مسيرة تطوّر نوعنا، ويدفع أكثرنا إنسانيةً ليخفي إنسانيته كأنها مرض تناسلي، ويقتنع شيئاً فشيئاً بأن قتل الأطفال أمرٌ مرتبط بمعرفة من هم هؤلاء الأطفال بالضبط. أمام هذه المراهقة العالمية، ليس لي سوى أن أوجّه نداءً: لا تجعلوهم يخيفونكم، لا تضعفوا أمام المتنمّرين الفاشلين. أو بتعبير ماركس، الذي لم يكن عاملاً أيضاً، يا "نيردات" العالم، اتّحدوا!

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows