Arab
لم يفوّت كيم جونغ أون الفرصة ليقول إنه هنا؛ يجلس بالقرب من ابنته المحبوبة جو آي، ويتابع تجارب إطلاق صواريخ متعدّدة قادرة على حمل رؤوس نووية. تظهره الصور سعيداً، وغالباً ما يكون شعبه كذلك. لكنّ الحرب هناك، في الشرق الأوسط، وعلى إيران، ويخوضها ترامب الذي هدّد جونغ أون بالزرّ النووي فلم يكترث، فانتهى الأمر برئيس أقوى دولة إلى ترتيب لقاء قمّة معه، بل الثناء عليه، والقول إنه يحبّه، فماذا يريد أكثر؟... أن تعترف الولايات المتحدة ببلاده (كوريا الشمالية) قوّةً نووية. وإذا حدث هذا فقد يتفرّغ أون لما هو أهمّ من ابتزاز الجوار الكوري الجنوبي والياباني، إعداد طفلته المحبوبة على نطاق واسع، جو آي، لتولّي الحكم من بعده.
يبدو ما سبق نوعاً من السرد الحكائي، كأنك تخترغ قصّةً تنتمي إلى قرون مضت لطفلك لينام. والوضع هناك، في كوريا الشمالية، الدولة السعيدة برئيسها المعجزة، كذلك فعلاً، فهو ينتمي إلى خياله هو، إذ يعيش في عالمه الصغير وفق شروط مخيّلته، فثمّة أعداء أشرار أعدّ لهم صواريخه القادرة على حمل رؤوس نووية، وثمّة مملكة سعيدة تنتظر طفلته جو آي لتُتوَّج ملكةً عليها، وثمّة شعب سعيد دائماً، ومستعدّ للرقص في الشوارع فرحاً بالتتويج والانتصار الدائم على الأعداء.
لكن الواقع أكثر قسوةً وقتامةً من أحلام كيم جونغ أون، فدخْل المواطن الشهري في كوريا الشمالية نحو 15 دولاراً، وقد يصل في أحسن الأحوال إلى مائة دولار، بينما يتقاضى مواطن الجارة الجنوبية ما يزيد على 30 ضعفاً لهذا الرقم على الأقلّ. وكوريا الشمالية أضعف عسكرياً بكثير من كوريا الجنوبية، ولولا حيازتها أسلحةً نوويةً فإنها أيضاً أضعف من إيران بمراحل كبيرة، ما يعني أن كيم جونغ أون قوي بسلاح واحد، هو سعادة شعبه النووية به، وبقيادته واستراتيجياته الابتزازية. وهو ما يؤهّله إلى الكثير، ومن ذلك أن تندّد بلاده بـ"العدوان غير القانوني على إيران... الذي يظهر الطبيعة الإجرامية" لواشنطن، بحسب الخارجية في بيونغ يانغ، و"الأفعال الطائشة" التي يقوم بها "بلطجية دوليون"، وفقاً لشقيقة الزعيم السعيد، واسمها كيم يو جونغ.
عدا ذلك، لا يستطيع أون فعل شيء آخر، ما يعني أنه ظاهرة صوتية تتمتّع، مقارنةً بالظواهر الصوتية الأخرى في منطقتنا، بأنها أكثر براغماتيةً في الأزمات الحقيقية التي قد تشكّل تهديداً جدّياً، معتمداً على موسكو وبكين لامتصاص الصدمات بالنيابة عنه، مع ترسيخ صورة الأحمق الذي قد يفعلها، وأن على العالم أن يسترضيه للحيلولة دون ذلك. ترامب يعرف هذا، وقد لا يجد مانعاً من الاعتراف بكوريا الشمالية قوّةً نووية، على الرغم من أنه، هو نفسه، يخوض حرباً على إيران لمنعها من حيازة السلاح النووي.
فلماذا فعل ذلك؟... لأن إسرائيل لا تقع في الجوار الكوري ببساطة، ولأنّ هدف كيم جونغ أون، رغم تهديده جيرانه، أن يُترَك في حاله وأوهامه المتضخّمة، ولأنه يحوز فعلاً سلاحاً نووياً يردع أعداءه من التفكير في مهاجمته. وذلك لا يتوافر في حالة إيران، فلأنها قوية، هي تهديد لإسرائيل، ثم إنها لا تهدّد دول الجوار، بل تتدخّل فعلياً في شؤونهم، خصوصاً أن جيرانها أضعف منها على خلاف الجوار الكوري. يضاف إلى ذلك أن إيران لم تُدر صراعها بحماقة كيم جونغ أون، بل بصبر ناسج السجّاد، وفي ظنّها أن ثمّة قواعد للصراع توافق إيقاعها هي، لا إيقاع رغبات الآخرين وقراراتهم، وأن كلّ غرزة جديدة تبرّر الغرزة التي تليها، وصولاً إلى الردع، ما سلبها مزايا براغماتية جونغ أون "الحمقاء". لذلك، بادر ترامب الذي قد لا يمانع الاعتراف بنووية كوريا الشمالية إلى ضرب إيران على الرغم من أنها لا تحوز السلاح النووي.
يعرف كيم جونغ أون هذا، أو على الأقلّ تعرفه الصين وروسيا، بل ربّما العالم بأسره، فهو مُستثنى بينما إيران مستهدفة، والسبب ليس القوة النووية، بل الجوار الإسرائيلي أولاً وعاشراً، فلو كانت إيران في شرق آسيا لأصبحت نوويةً منذ الثمانينيّات أو قبل ذلك، ولكنّها إسرائيل حتى لو دُبجت عشرات الدراسات في أسباب أخرى.
في "قصّة موت معلَن"، وهي نوفيلا (رواية قصيرة) كتبها الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، كان جميع سكّان القرية يعرفون أنهم سيقتلون سانتياغو نصّار، إلا هو... تلك هي القصّة.