Arab
تبدو السياسة أو الحرب من خلال بعض العقول أسلحةً لا تصلح إلا لخطف الغنائم؛ فيما تتجلّى عبر عقول أخرى مثل سجّادٍ يُحاك على مهل حتى يحيط بأهداف صانعه. نظرتان إلى السياسة والحرب التقتا بشكل فاجع إبان الحرب في المنطقة، وكانت لحظتها الأكثر كثافة حين التقى صاروخ إسرئيلي بعقل علي لاريجاني.
صدّر هذا الإيراني منذ عقود صورة مختلفة عن رجل السياسة، فقد تحرّك داخلياً وسط عبوات أيديولوجية، وتحرّك أيضاً في مسالك دولية معادية لطموحات بلاده، دون أن تفارقه هيبته وأناقته. لم تكن كلمة السر في ذلك غير البناء المتفرّد لشخصيته التي لم يكن فيها الاشتغال بالسياسة غير سطح بحرٍ عميق. ولذلك لا يُختزل علي لاريجاني في سيرة رجل دولة تقلّد المناصب بل يُقرأ كحكاية عقل كانت له مواعيد معرفية كثيرة قبل الوقوف عند مواقع القرار.
استفاد أوّلاً من نشأته في أحد بيوت العلم لأسرة ثرية فوجد في مكانة والده في الحوزة الشيعية سنداً، وفضلاً عن ذلك رفقة إخوة سيبلغون هم أيضاً مراتب في العلم والحكم. لم يختر علي شاباً أن يبني على ميراث الأسرة في العلوم الدينية بل فضّل أن يعود إلى تقليد معرفي عريق بالبدء بتكوينٍ في الرياضيات وكأنه يأخذ بنصائح الفارابي وابن سينا بدخول مغامرة المعرفة بعد ترويض العقل وتدريبه على الصبر على التعقيد حتى يظهر داخله نظامٌ للأشياء. وحين تدخل هذه العقول إلى السياسة لاحقاً فهي ترتّب وتوازن حيث يندفع الآخرون في اتخاذ القرارات.
سينتقل لاريجاني بعدها إلى الفلسفة بحثًا عن طبقة أعمق من الفهم بما توفره من أدوات للشك في الإجابات السريعة. وليس اختيار التخصّص في فلسفة كانط اعتباطاً بالتأكيد، إذ يتيح له أن يرى تشكّلاً فكرياً مبكراً للحداثة الغربية التي أتت لاحقاً إلى أرض فارس تطلب الهيمنة. وإلى ذلك كان كانط لحظة التقاء بين اكتمال صرامة العلم وانفتاح المعرفة على التاريخ الحي بما ينجر عن ذلك من ضرورة تأسيس جديد للأخلاق والقيم المشتركة. وعند تلك النقطة تصبح السياسة امتداداً طبيعياً للمسافة الفكرية التي قُطعت.
في عقل لاريجاني لا نرى هذا المسار، وفق الترتيب الذي اختاره: رياضيات ففلسفة فسياسة، كتنقلات بين المعارف ففيه من التدرّج ما يوحي بأنه كان يحفر في نفس النقطة، باتجاه توفير الوسائل للسيطرة الفكرية على تعقيدات الواقع.
وسيعقب ذلك تدرّج (قد يبدو غير منتظم) في المواقع من الثقافة والإعلام إلى الأمن القومي، مروراً بمناصب قيادية في الحرس الثوري والدائرة المقربة من المرشد علي خامنئي ورئاسة البرلمان، وخصوصاً إدارة الملف النووي، ويعود لهذا الموقع الفضل في شهرة لاريجاني لاحقاً وبناء صورته على النحو الذي نعرف.
من زاوية عقل لاريجاني، يمكننا اليوم قراءة الانفلات الإيراني في استهداف مقدرات المنطقة. كأنما فُقد ذلك الميزان الذي يقدّر ما الخطأ الذي يخترق الواقع فيدفع الأمور إلى نقاط اللاعودة. كأنما اختفت تلك الكلمة التي كانت تضبط الإيقاع من الداخل، وفي غيابها قد يظهر الفارق بين الخط الذي يسعى إلى المراكمة والخط الذي يستهلك نفسه ويبدّد كل شيء. ودون كل ذلك انطفأ أمل في اجتراح طريق يهدي إليه العارفين بمكنونات الروح الإيرانية وصناديق نظامها المغلق، ويعرف أيضاً خبايا العقل الغربي ودقائق نزواته.
تدحرجت كرة النار في المنطقة ضاربة ثروات كثيرة: طبيعية وبشرية، حقولاً وعقولاً. وما شيّد خلال عقود بات يتحكم في مصيره زرٌ يقذِف بصاروخ. كأن المنطقة في ذلك تعيد سرد أشهر حكاية قدّمتها للعالم. تبدّلت فيها كل الشخصيات لكن الحبكة هي ذاتها: مواجهة عجيبة بين من ينسج على مدار أكثر من ألف ليلة ومن يملك القدرة على قطع الرؤوس سريعاً.

Related News
ترمب يلوّح بتدمير «خرج»... وطهران ترفض شروطه
aawsat
24 minutes ago
تنسيق سعودي ــ أردني ــ قطري لتعزيز أمن المنطقة
aawsat
32 minutes ago
العراق: إعفاء واحتجاز قيادات أمنية
aawsat
41 minutes ago