Arab
يحدث أحياناً أنْ يستيقظ المرء على خسارة لم يُسمع لها دويّ، ولا رأى لها دخاناً، ومع ذلك يشعر أنّ شيئاً عميقاً في داخله قد انكسر، كأنّ معركةً كاملةً دارت في غفلةٍ منه، وانتهت قبل أنْ يدرك أنّه كان أحد أطرافها. تلك هي الهزيمة التي لا تُرى، حين يتسلّل خطاب الخصم إلى الداخل بهدوء، ويستقرّ في منطقة تبدو للوهلة الأولى محايدة، بينما هي في حقيقتها قلب الوعي نفسه.
الإنسان لا يُولد مزوّداً بحصانة فكرية، ولا يملك تلقائياً قدرةً على الفرز بين ما يُعرض عليه من روايات، لذلك يبقى عرضةً لتأثير اللغة والصورة، وللإلحاح المتكرّر الذي يبدّل المعاني من دون أنْ يطلب إذناً. هنا تحديداً تتبدّى خطورة المعارك التي تُخاض بالكلمات، لأنّ نتائجها لا تُقاس بعدد الضحايا، وإنّما بمدى تغيّر القناعات، وبالتحوّل البطيء الذي يجعل المرء يعيد ترتيب أفكاره وفق سردية لم يصنعها.
وحين يقتنع هذا الإنسان برواية خصمه، لا يكون قد خسر جولةً عابرة، وإنّما يكون قد سلّم مفاتيح تفسيره للعالم. وهذه خسارة تتجاوز حدود السياسة أو الصراع المباشر، لأنّها تمسّ جوهر القدرة على التفكير، فالرواية ليست مجرّد حكاية، وإنّما هي إطار يُعاد من خلاله تعريف الخير والشر، والحقّ والباطل، والضحيّة والجلّاد. ومع كلّ إعادة تعريف، تتآكل مساحة اليقين، ويصبح الدفاع عن الحقيقة مهمّةً أكثر تعقيداً.
ولعلّ ما يزيد الأمرَ التباساً، أنّ هذا النوع من الهزائم يأتي في هيئة اقتناع منطقي، أو تعاطف إنساني، أو رغبة في الاتزان. فقد يظنّ أحدنا أنّه ينحاز إلى الاعتدال، بينما هو في الحقيقة يتبنّى جزءاً من خطاب صيغ بعناية ليبدو معقولاً. وهنا تتكشّف مهارة الخصم، حين لا يفرض روايته بالقوة، وإنّما يجعلها قابلةً للتصديق، قابلةً للتداول، قابلةً لأنْ تُقال بلسان من يظنّ أنّه مستقلّ.
والوعي، في هذه الحالة، لا يعود ترفاً ثقافياً، وإنّما يصبح ضرورةً أخلاقية، لأنّه وحده القادر على تفكيك الروايات، وعلى مساءلة ما يبدو بديهياً، وعلى استعادة المسافة التي تسمح للمرء أنْ يرى من أين جاءت الفكرة، ولماذا صيغت بهذه الطريقة، ولصالح من تعمل. الوعي لا يمنح إجاباتٍ جاهزة، ولكنّه يمنح قدرةً على الشكّ المنتِج، وعلى مقاومة الانجراف خلف ما يُقدَّم باعتباره الحقيقةَ الوحيدة الممكنة.
والمشكلة أنّ المعركة مع الرواية لا تُحسم مرّة واحدة، فهي عملية مستمرّة، لأنّ الخطاب يتجدّد، ويتكيّف، ويعيد إنتاج نفسه بصيغ مختلفة. لذلك يحتاج المرء إلى يقظة دائمة، وإلى حسّ نقدي لا يهدأ، وإلى شجاعة في مراجعة ما يعتقده، حتى لا يتحوّل إلى ناقل أمين لما صاغه غيره.
قد تبدو هذه المعركة أقلَّ إثارةً من التي تُخاض بالسلاح، لكنّها في عمقها أشدُّ أثراً، لأنّ نتائجها تمتدّ في الزمن، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتترك بصمتَها في اللغة التي نتحدّث بها، وفي الطريقة التي نفهم بها العالم. ومن هنا تأتي خطورتها، ومن هنا أيضاً تأتي ضرورة الانتباه إليها، لأنّ المرء حين يخسر وعيه، لا يعود يملك شيئاً يدافع به عن نفسه، حتى لو امتلك أدوات القوة الأخرى كلّها.
نعم، نحتاج إلى يقظة صغيرة تتكرّر، ورفضٍ داخليٍّ لأنْ تُختزل الحقيقة في رواية واحدة، وإلى إصرار هادئ على أنْ يبقى العقل مساحةً حرّةً لا تُحتلّ من دون مقاومة. وأنْ ننتبه إلى ما يتسلّل إلى داخلنا ونحن نظنّ أننا نفكّر بحرية، وأنْ نسأل أنفسنا بهدوء: من أين جاءت هذه الفكرة، وكيف استقرّت هنا؟ تلك الأسئلة البسيطة هي ما يحفظ توازن الوعي، وهي ما يجعل الهزيمةَ أصعب، حتى حين تبدو الطريق ممهدة إليها.

Related News
دوي انفجارات فوق القدس بعد رصد صواريخ إيرانية
france24
1 minute ago
سقوط مسيرة في حقل مجنون النفطي بالعراق دون أن تنفجر
france24
5 minutes ago
الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة
aawsat
12 minutes ago
أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع
aawsat
13 minutes ago