Arab
يخيّم على قطاع غزة صمت ثقيل بالتزامن مع حلول عيد الفطر، ما يعكس واقعاً قاسياً يعيشه مليونا فلسطيني، مئات الآلاف منهم نازحون، ما يجعل التحضير للعيد رفاهية لا يملكها كثيرون.
لا استعدادات لعيد الفطر في قطاع غزة، ولا حركة بالأسواق، ولا زينة في الشوارع، وتغيب رائحة كعك العيد التي كانت تفوح من البيوت. يحل العيد بينما معظم أهالي غزة بعيدون عن منازلهم التي دُمرت أو تضررت خلال الحرب الإسرائيلية، يقيمون في مراكز إيواء ومدارس مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، أو خيام قماشية لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا توفر أي مساحة لطقوس الأعياد.
والحديث عن استعدادات عيد الفطر بالنسبة للكثير من العائلات أقرب إلى محاولة يائسة لخلق لحظة طبيعية وسط واقع غير طبيعي، فالأوضاع المعيشية متدهورة، ومصادر الدخل مفقودة، ومدخرات الأسر نفدت خلال الحرب. يؤكد كثيرون أن عيدهم الحقيقي سيكون اليوم الذي يعودون فيه إلى بيوتهم، ويجتمعون مجدداً مع أقاربهم وجيرانهم.
يقول الفلسطيني أسعد أبو كويك (52 سنة)، وهو نازح يقيم مع عائلته في مخيم بوسط غزة، إن العيد في السابق كان مناسبة ينتظرها الجميع، وتتجهز لها الأسر منذ منتصف شهر رمضان. ويضيف لـ"العربي الجديد": "كنا نبدأ التحضير للعيد مبكراً، نشتري ملابس الأطفال، ونحضر مستلزمات الكعك، وتبدأ زوجتي وبناتي بإعداده مع المعمول في البيت، وكانت رائحة الكعك تملأ الحارة. اليوم لا يوجد بيت أصلاً، ونعيش في خيمة، وبالكاد نجد ما نأكله، فكيف يمكن أن نفكر في كعك العيد أو زينته؟ أكثر ما يؤلمني هو رؤية الأطفال وهم يحاولون التظاهر بالفرح".
ومن أبرز مظاهر العيد الغائبة تقاليد الضيافة التي كانت تميز البيوت الفلسطينية، ففي السنوات التي سبقت الحرب، كانت الموائد تمتلئ بأصناف متعددة من الحلويات والشوكولاتة والكعك، إلى جانب القهوة العربية التي تقدم للزوار منذ الساعات الأولى من صباح العيد. كما اعتادت معظم عائلات القطاع أن تبدأ اليوم بوجبة تقليدية مثل "الفسيخ"، وهي عادة متوارثة، لكن كل الطقوس تبدو اليوم بعيدة المنال، إذ تقتصر الأولويات على تأمين الطعام والمياه ومستلزمات الحياة اليومية الأساسية.
تقول الفلسطينية سمية الفيراني (38 سنة)، وهي نازحة تعيش مع أطفالها الأربعة داخل خيمة، إن "العيد أصبح مصدر قلق بدلاً من أن يكون مناسبة للفرح، وأطفالي يسألونني منذ أيام متى سنشتري ملابس العيد؟ ومتى سنصنع الكعك؟ ولا أعرف بماذا أجيبهم". وتوضح الفيراني لـ"العربي الجديد" أنه "في سنوات ماضية، كنا نشتري لكل طفل ملابس جديدة، ونعد الكعك في البيت، ونستقبل الأقارب صباح يوم العيد. اليوم لا يوجد مال، ولا بيت، والعائلات مشردة. سأحاول رغم ذلك شراء بعض الحلوى البسيطة للأطفال حتى يشعروا بحلول العيد، لكن الغلاء كبير والإمكانيات محدودة".
وزادت الأوضاع تعقيداً مع توقف محاولات الفتح الجزئي للمعابر، خاصة بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأوضاع الإنسانية داخل قطاع غزة. يقول محمود الدلو (27 سنة)، وهو نازح من شمالي غزة، إن أكثر ما يفتقده في العيد هو الحارة التي كان يعيش فيها، مضيفاً أن "العيد في حارتنا كان مختلفاً، إذ كنا نصلي العيد معاً، ثم نجتمع في الشارع بعد الصلاة، ويبدأ الأطفال باللعب واستقبال العيديات. اليوم، الحارة لم تعد موجودة، فالكثير من البيوت دمرت، والناس تفرقوا في مناطق النزوح. حتى لو أردنا أن نحتفل فلا نعرف مع من نحتفل. هذا الواقع يضاعف شعور العائلات بالعجز، خاصة أمام أطفالهم الذين ينتظرون العيد مثل كل أطفال العالم".
ولا تقتصر الأزمة في غزة على الغذاء والمأوى، بل تمتد إلى تفاصيل صغيرة كانت جزءاً أساسياً من فرحة العيد، مثل "العيدية"، فالسيولة النقدية شحيحة إلى درجة أن الكثير من الناس لا يجدون حتى الفكة المعدنية أو العملات الصغيرة التي اعتادوا توزيعها على الأطفال في صباح يوم العيد.
يقول عبد الله حمدان (60 سنة)، وهو نازح فقد أحد أبنائه خلال الحرب إنّ "العيد لم يعد يحمل المعنى ذاته الذي كان يحمله في الماضي. كنت في كل عيد أجتمع مع أبنائي وأحفادي في البيت، واليوم أحد أبنائي شهيد، والبيت لم يعد موجوداً". ويتابع لـ"العربي الجديد": "بات العيد يوقظ ذكريات ثقيلة لدى كثير من العائلات التي فقدت أبناءها أو أقاربها خلال الحرب. يذكرنا بكل من فقدناهم، وبأيام كانت مليئة بالحياة".
وبالنسبة للنازحين داخل الخيام الصغيرة أو الغرف الصفية في المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء، يأتي العيد محملاً بذكريات البيوت التي كانت تضج بالحياة، والأقارب الذين كانوا يجتمعون في صباح العيد، والضيافة التي كانت تملأ المجالس.
ورغم الظروف القاسية، يحاول الأهالي خلق أجواء العيد من أجل الأطفال، فبعض العائلات تبذل جهداً لشراء ملابس جديدة، حتى لو كانت قطعة واحدة، بينما تحاول عائلات أخرى توفير كميات صغيرة من الحلوى أو الشوكولاتة.
يعيش خالد العصار (45 سنة) مع عائلته المكونة من سبعة أفراد في خيمة منذ شهور، ويقول: "لا يوجد مكان حقيقي للفرح، لكننا نحاول صنع بعض الأمل لأطفالنا. ربما نشتري بعض الحلوى، وربما نأخذ الأطفال في نزهة قصيرة بين الخيام، هذه هي إمكانياتنا المتاحة، ربما تجعل الأطفال يشعرون بالعيد".
بدورها، تشير رنا خلف (31 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش بأحد مراكز الإيواء، إلى أن العيد مرتبط بمحاولة إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال، حتى لو كانت فرحة محدودة للغاية. وتوضح: "اشتريت لأطفالي ملابس بسيطة، مع أن سعرها كان مرتفعاً، كما اشتريت كمية صغيرة من الحلوى، ربما تكفي ليوم واحد. أريد لهم أن يشعروا بحلول العيد".
تعيش أم محمد السيقلي (46 سنة) مع عائلتها داخل خيمة بأحد مخيمات النزوح في وسط قطاع غزة، وقررت صنع كمية صغيرة من كعك العيد رغم كل الصعوبات، فقط من أجل إدخال بعض الفرح إلى قلوب الأسرة. وتقول لـ"العربي الجديد": "لاحظت حزن الأطفال، فقررت صنع الكعك كي أسعدهم. لا يوجد مطبخ حقيقي، لكني شعرت بأن العيد لا يمكن أن يمر من دون رائحة الكعك، حتى لو كانت الكمية قليلة". وتشير إلى أن "الحصول على مكونات الكعك لم يكن سهلاً، إذ اضطررت للبحث في الأسواق عن المكونات، وكلها مواد ارتفعت أسعارها بشكل كبير. اشتريت ما استطعت شراءه، وستكفي لصنع كمية محدودة. المهم أن تشعر عائلتي بأن العيد ما زال موجوداً".

Related News
أستراليا تخفض ضرائب الوقود لتعويض ارتفاع أسعار النفط
aawsat
8 minutes ago
عطل مفاجئ يشلّ "ديبسيك" 7 ساعات
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
خيارات عديدة.. كيف يلعب منتخب الجزائر ضد أوروغواي؟
al-ain
18 minutes ago