عيد السودانيين... فرحة ضائعة بين الجوع والحزن والشتات
Arab
1 week ago
share
تكاد تتشابه معاناة النازحين واللاجئين السودانيين الذين أجبرتهم الحرب على اختبار ظروف قاسية حرمتهم بهجة العيد وسط تفشي الفقر والجوع والأمراض، حتى صارت كل مناسبة يوم حزن وذكريات أليمة. يستقبل السودانيون في شتات النزوح واللجوء، عيد الفطر هذا العام بألمٍ وحزنٍ يتفاقمان منذ اندلاع الحرب في منتصف إبريل/ نيسان 2023، وسط آمالٍ في أن تتوقف آلة القتل التي دفعت أكثر من 15 مليون شخص إلى ترك منازلهم، بحسب بيان المنظمة الدولية للهجرة العام الماضي، بينهم أكثر من 3.5 ملايين عبروا الحدود إلى دول الجوار، وأكثر من 11 مليوناً داخل البلاد. حُلم العودة إلى الديار لا يفارق النازحين، رغم إدراكهم أن الحرب حوّلت قراهم ومدنهم وأرزاقهم إلى أنقاضٍ لا تصلح للحياة. لكنّهم في خضم المعاناة، يحاولون استعادة روح العيد في المخيمات، وإحياء بهجته في نفوسهم، رغم شحّ الموارد والارتفاع الجنوني في أسعار مستلزمات العيد، مثل الخبيز (البسكويت السوداني) وملابس الأطفال والحلويات، بينما يفتقد اللاجئون في دول الجوار لمّة الأهل والأقارب الذين حُرموا اللقاء بهم منذ ثلاثة أعوام، وهو ما جعل العيد خالياً من شعور الفرح المعتاد. ووسط مرارة النزوح واللجوء، يعاني آلاف السودانيين من تفشّي الجوع والأمراض، ونفاد المدّخرات وتوقف أعمالهم، ومن مشقّة الحصول على الطعام والخدمات الحيوية. ومن هؤلاء ناهد محمد (47 سنة) وهي أم لثلاث فتيات أكبرهنّ تبلغ 19 عاماً وأصغرهنّ ستّة أعوام. نزحت ناهد في يونيو/ حزيران الماضي من منطقة أم درمان إحدى المدن الثلاث المكوّنة للعاصمة، إلى إقليم دارفور غربي السودان. وتقول لـ"العربي الجديد": "لم أفكّر مطلقاً في التجهيز لعيد الفطر، مثل هذا التفكير يُعتبر رفاهية لا أحلم بها. فقد تشرّدتُ رفقة والدتي وبناتي، تركنا منزلنا وكل حياتنا خلفنا".  التجهيز لعيد الفطر رفاهية لا يحلم بها النازحون واللاجئون السودانيون، فلا طعم للعيد في كوخ من الأغصان وتتابع: "نعيش في كوخ صغير مصنوع من أغصان الأشجار والحشائش الجافة، في منطقةٍ قاحلة لا تتوفر فيها خدمات المياه والكهرباء، ولا نملك طعاماً كافياً، بالكاد نتناول وجبة واحدة، ونعتمد في كثير من الأوقات على المساعدات المحلية". تستذكر ناهد كيف كانت تستعد مبكراً لعيد الفطر، تبدأ في طلاء جدران المنزل، وتحرص على تنظيفه بعناية فائقة، وكيف كانت تنهمك بشراء الملابس الجديدة لبناتها، وبصناعة المخبوزات على أنواعها، وتقول: "بعد نزوحنا خسرنا كل مدّخراتنا، لذلك لا مقدرة على شراء احتياجات العيد، حتى إنّني لم أشترِ لبناتي أي شيء جديد منذ ذلك الوقت. المهم حالياً أن تتوقف الحرب، وأن نعود إلى منزلنا، ونعيد ترتيب حياتنا"، مشيرةً إلى أنّ العيد هو عبارة عن فرحة يتشاركها الأهل والجيران في ديارهم، وما دام الإنسان نازحاً يقيم في كوخ متواضع، فلا يمكنه أن يتذوّق طعم العيد، بحسب قولها. لجأ يعقوب هارون (73 سنة) إلى مخيم "ود ويل" في جنوب السودان، وهو المهندس المدني والأب لستّة أبناء. ويقول لـ"العربي الجديد": "كانت هناك طقوس مميزة لعيد الفطر قبل الحرب، بدءاً من تجهيز الملابس الجديدة وشراء الحلويات، وصولاً إلى عودة المغتربين واحتفالهم بالعيد مع الأهل والعشيرة. لكن منذ اندلاع الحرب، تركنا كل هذه الذكريات خلفنا، وصرنا لاجئين في أفقر المخيمات، حيث تنعدم كلّ الخدمات ونعاني الجوع والعطش، ما يعني أنّ الحديث عن تجهيزات العيد يكاد يكون ضرباً من الخيال". يضيف يعقوب: "لقد شتّتنا التهجير ما بين نازحين ولاجئين، وفي الحالتين المعاناة قاسية لناحية تفشّي الجوع والفقر وشعور أغلبية السودانيين بالهزيمة والضيم، بعد خسارة حياتهم المستقرة وأمنهم ومنازلهم وأعمالهم. لم نعد نحلم سوى بتوقف الحرب والعودة إلى وطننا". بينما تصف زمزم أبكر (32 سنة)، وهي نازحة في مخيم كلمة بولاية جنوب دارفور، أوضاع النازحين بـ"المحزنة"، وتقول لـ"العربي الجديد": "بسبب الحرب، صار العيد يومَ حزنٍ يذكّرنا بمَن فقدناهم خلال كل الحروب السابقة، ولا سيّما منذ 23 عاماً إذ خسرنا في صراع دارفور حينها أرواحاً عزيزة وممتلكاتٍ ومنازل آمنة". وتتابع المرأة التي ظلت نازحة منذ العام 2011 بسبب حرب دارفور: "كنا نملك منزلاً واسعاً نقوم بتجهيزه قبل عيد الفطر، ومن ثم نصنع الحلوى والمخبوزات، وفي يوم العيد نستقبل الأهل والجيران ونحتفي معاً. لكن بعد الحرب خسرنا كل هذا، وبات العيد مجلس بكاء وعزاء نستحضر فيه ما عشناه من مصائب وحروب طويلة ما زالت تقبض على أنفاسنا". فقدت زمزم زوجها في خلال الحرب، وتعيش اليوم رفقة والدتها المسنّة، وتضيف: "نحلم بتوقف الحرب والعودة إلى منزلنا، وبناء حياتنا من جديد، علّنا نتذوّق حينها طعم العيد، بعيداً عن حياة المخيم ومعاناته". وتسبّبت الحرب الدائرة في السودان بمقتل نحو 150 ألفاً وتدمير البنية التحتية، بما فيها شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمرافق الطبية، ما أدى إلى إضعاف رغبة النازحين واللاجئين في العودة حتى إلى المناطق التي توقفت فيها العمليات العسكرية المباشرة مثل الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض. وتقول مروة الجيلي (51 سنة) وهي اللاجئة السودانية في أوغندا: "كان العيد محطة مهمة خلال العام، نلتقي فيها بالأهل والأقارب، ونرتاح من عناء العمل. لم نتخيّل أننا سنفقد نكهته وبهجته بسبب الحرب التي دمّرت حياتنا ودفعتنا إلى اللجوء". وتضيف لـ"العربي الجديد": "بعد مرور ثلاثة أعوام على الحرب، نكاد نفقد الإحساس بالعيد من جراء الفقر والمعاناة والشعور بالألم والأسى منذ مغادرتنا منازلنا التي دُمّرت وسُرقت". وتضيف المرأة التي كانت موظفة حكومية: "كانت تجهيزات العيد في حدّ ذاتها فرحة نجدّد بها طاقتنا، أما بعد الحرب فقد بات همّنا الأول كيف نحصل على قوت يومنا في بلدانٍ لم تسبق لنا زيارتها ومعرفة عاداتها وتقاليدها. نشتاق إلى عيد السودان، إلى منازلنا وأهلنا وجيراننا الذين فرّقت الحرب بيننا وبينهم". تتحدث خديجة أحمد (62 سنة) النازحة من مدينة بارا في ولاية شمال كردفان إلى مدينة الأبيض، عن انعدام استعدادات العيد بين آلاف النازحين من مدينة بارا بعد تحولها إلى منطقة سيطرة متبادلة بين طرفَي الحرب. وتقول لـ"العربي الجديد": "منذ أكثر من عام نعيش في أكواخ من البلاستيك والأخشاب وقطع القماش البالية، ونبحث عمّا يسدّ رمقنا من الجوع. ولذلك لم نفكر إطلاقاً في استعدادات العيد، لأننا لا نملك المال، ولا حتى المنزل المناسب كي يجتمع الأهل والأقارب والجيران. حالنا تكاد تشبه حالة التشرد، وليس بوسعنا سوى الدعاء والتضرع بأن ننعم بالأمن والسلامة، وأن نعود إلى منازلنا رغم أنّها مدمّرة تماماً". وتختم خديجة بالقول: "حال النازحين هنا سيئة للغاية، وهم بعيدون عن أي تفكير في التجهيز لعيد الفطر. جميعهم يستعيدون ذكرياتهم عن تحضيرات العيد والمشتريات المتنوعة قبل الحرب والتهجير، لكن ذلك صار من الماضي، بفعل الحرب التي حوّلتنا إلى نازحين نتضوّر جوعاً". ما زالت إيمان عبد الله، اللاجئة السودانية في تشاد، تتذكر تفاصيل تجهيزات العيد في السودان قبل الحرب، وتحنّ إليها باستمرار. وتقول لـ"العربي الجديد": "تقتصر تجهيزاتنا هذه المرة على شراء الدقيق وتوفير مياه الشرب، هذا كل ما يحتاجه اللاجئون في مثل حالتنا. في السابق، كنا نشتري الملابس والحلويات ونجهّز الخبيز والبسكويت، بانتظار زيارة الأهل والأقارب. أما حالياً في المخيمات، فإنّ الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للاجئين تشبه بعضها بعضاً، ولذلك لا يهتمّ أحد بأيّ تجهيزات للعيد". وتشير إيمان التي كانت تقيم قبل الحرب في مدينة زالنجي بوسط إقليم دارفور، إلى أنّ اللاجئين يأملون حالياً في أن تتوقف الحرب في أسرع وقت، حتى يعودوا إلى ديارهم. وتضيف: "إن توقفت الحرب، نعد حينها إلى حياتنا، أما الآن فلا يمكن لأيّ لاجئ أن يتكفل بتوفير احتياجات العيد، رغم أهميتها في خلق بهجة وسط أفراد الأسرة".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows