Arab
يُعاد تشكيل العالم كلّه اليوم، لا الإقليم وحده، لكن أغلبية شعوبنا (إن صحّت تسميتها بالشعوب) تتغافل عن حقيقة ما يجري ويمسّ مصالحها ووجودها، وتغرق بإمعان في مُكايدات رخيصة وشماتة مُقرفة، قائمة على منطق قبلي (خليجي، مغاربي، مصري، شامي)، وإن لم يحتفظ حتى بأخلاقيات الصراعات القبلية ولم يستبقِ منها إلا ما يجلب العار.
سبق وأعماني الثأر عن طبائع الخصومة وحدودها، فقبلتُ بأن يُسحق خصمٌ مزمنٌ قوي، خصماً مرحلياً أضعف، لمجرّد أن أشفي غليلي ممّا ارتُكِب بحقّي ومُعسكري على يده، وأشفقُ على من يقع فيما وقعتُ فيه، بقدر ما أتفهم ما هو فيه، شخصاً كان أو تياراً. ورغم الفارق الكبير الذي تحدّده طبيعة المعركة وحدودها، إلا أنّ هناك خللاً بنيوياً يتكرّر، يمرّ بمرحلة تتجاوز الانهيار الاقتصادي وغياب الدولة، وكأنما نعيش حالة استلاب ذهني حيث تُعمي الثاراتُ البصائرَ عن أبسط بديهيات البقاء، فيقرّر البعض مقايضة وجود الوطن بـ "لحظة شماتة" بخصمه الداخلي.
تكمن المأساة اللبنانيّة في غياب التفريق بين "العدو المطلق" و"الخصم السياسي". الكارثة الكبرى تقع حين يتم تبييض وجه العدو الوجودي "إسرائيل" وتصويره أداةً للحلّ أو مخلّصاً، مقابل تحويل الخصم الداخلي، الذي تشترك معه في الجغرافيا والتاريخ والمسار والمصير، إلى عدو مُطلق يُضحّى بالوطن لأجل إفنائه. الخصم الداخلي، مهما تغوّل، يبقى جزءاً من الذات؛ أما العدو الخارجي فهو نقيض الذات. التحالف مع النقيض ضدّ جزء من الذات هو الصيغة الرياضية للفناء، والترحيب بالتوغّل الصهيوني نكاية في حزب الله هو انتحار استراتيجي؛ فالعدو لن يأتي ليرمّم شروخ السيادة أو يثبّت دعائم الدولة، بل لينسف الفتات الباقي من الوجود اللبناني ذاته.
الخصم الداخلي، مهما تغوّل، يبقى جزءاً من الذات؛ أما العدو الخارجي فهو نقيض الذات
وعندما ننظر إلى الخطاب المُتصهين (بعيداً عن طائفيّته) نجد تجلياً واضحاً لـ احتقار الذات والعمى الأخلاقي، هنا يتوقّف الفرد عن كونه فاعلاً صاحب مشروع أو انحياز، ليصبح مجرّد صدى لصوت عدوّه. وهو حين يناصر العدو أو يحتفي بعدوانه لا يفعل ذلك حبّاً في لبنان، بل يتحرّك بدافع "الحقد الخالص" على الآخر اللبناني. فلسفياً، هذا الشخص/التيار فقد سيادته على نفسه قبل أن يفقد وطنه؛ لقد جعل من خصمه الداخلي إلهاً سالباً يحدّد له أين يقف وكيف يفكّر، وهو منطق "عبيد الضغينة" الذين يفضّلون رؤية المعبد ينهار فوق رؤوس الجميع على أن يشهدوا لحظة صمود لخصمهم.
الخصوم في الوطن هم أضداد في "وحدة واحدة". وعندما يظنّ طرف أنّ بإمكانه الاستعانة بـ "النار الخارجية" لحرق الغرفة المجاورة في نفس البيت، فإنّه يجهل طبيعة النار؛ النار لا تأكل الغرف، النار تأكل البيت. الارتماء في حضن العدو لن يشفي غليلك، لأنّ الغليل لا يُشفى بالسم، والسم الصهيوني في الجسد اللبناني لن يفرّق بين أنسجة "مقاومة" وأنسجة "مُطبّعة".
لن يأتي العدو ليرمّم شروخ السيادة أو يثبّت دعائم الدولة، بل لينسف الفتات الباقي من الوجود اللبناني ذاته
صحيح ليس ذنب الضحايا أنّ البندقيّة التي تواجه العدوّ اليوم هي ذاتها التي قتلت الصديق بالأمس (إن افترضنا صحّة ذلك مطلقاً) وصحيح أنّ "حصريّة التمثيل" في معسكر المقاومة أساء كثيراً للمعسكر وللمقاومة (تنظيماً وفكرة)، وحرم القضيّة من مقاتلين برايات أخرى لا شكّ كانت ستؤلم العدوّ وتجلب الفائدة، ولجنّبت المعسكر المُقاوم خسائر استراتيجية تتجاوز كلّ مرحلةٍ مرّ بها، إلا أنني ما زلت أفرّقُ بين نقد يعرفُ مراده وعدوّه، وبين عداءٍ تعميه ثاراته مهما عظمت.
إنّ إدراك طبيعة الخصومة والعداء، وفهم تعقيد التحالفات بحسب طبيعة المعركة، هو وحده ما ينقذنا من حرق البيت بمن فيه. الارتماء في حضن العدو الوجودي لن يحميك ولن يبقيك، ولن يشفي غليلك.. إنه فعلٌ أكبر من حماقة، وأفدح من غباء، وقبل أن تتمّ شماتتك، سيدهسك العدو ذاته من دون أن يلتفت لجثّتك، فالعدوّ لا يحترم المتواطئين ولا ينشغل بمبرّراتهم.
Related News
غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة
aawsat
6 minutes ago
إسرائيل و«حزب الله»... الحرب الجديدة بأساليب مختلفة
aawsat
7 minutes ago