Arab
في خيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، في الركن الشمالي الغربي من مدينة غزة، يجلس الفلسطيني رمزي حسونة، مُحدّقاً في أفق مثقل بالغبار والانتظار، متسائلاً: كيف يمكن لقضية بحجم غزة أن تتراجع إلى هذا الحد في اهتمام العالم؟
يقول حسونة إن أكثر ما يثقله اليوم ليس فقط ضيق العيش ولا قسوة النزوح، بل شعوره المتزايد بأن العالم خارج القطاع بات ينظر إلى المأساة كأنها خبر قديم وعادي، فيما يواصل السكان حياتهم المعلّقة بين الخيام، ونقص الماء، وشح الطعام، وقلة المساعدات. ويشير إلى أن الخوف الأكبر لم يعد محصوراً في آثار الحرب، بل في أن يطول زمن التهميش، وأن تتحول معاناة الفلسطينيين إلى هامش في نشرات الأخبار وأجندات الدول.
منذ بدء الحرب في إيران، يعيش فلسطينيو غزة على وقع النسيان والقلق من القادم، في ظل معاناتهم المتفاقمة والانشغال العالمي عنهم وإزاحة الجميع الكاميرات عن مأساتهم. ويلفت حسونة لـ"العربي الجديد" إلى أن بقاء الناس في الخيام لأكثر من عامين ونصف عام يمثل وجهاً آخر من وجوه القهر البطيء، إذ لم تعد المعاناة مرتبطة بما حلّ بالقطاع من دمار وأزمات، بل بحياة يومية منهكة تستنزف الأعصاب والكرامة معاً.
فلسطينيو غزة.. معاناة وانتظار
الفلسطينية هبة مصطفى، التي قابلها مراسل "العربي الجديد" في أثناء وقوفها في طابور تعبئة المياه، تقول إن الخشية الحقيقية تكمن في أن يتحول هذا الوضع الممتد إلى أمر طبيعي في نظر العالم، بينما يظل الفلسطيني أسير الانتظار.
وتضيف: "كان الاعتقاد دائماً أن حجم الكارثة كفيل بإبقاء غزة في صدارة الاهتمام، لكن التطورات الإقليمية المتلاحقة، وعلى رأسها الحرب الإيرانية، دفعت الملف الغزي أكثر إلى الهامش". وتؤكد أن هذا التراجع في الحضور السياسي والإعلامي ينعكس مباشرة على حياة الناس، لأن تراجع الاهتمام يعني تراجع الضغط من أجل إدخال المساعدات، وتحريك جهود الإعمار، وصياغة حلول تنهي هذا الواقع القاسي.
ويعيش الغزيون تحت ضغط دائم، في ظل اعتماد 95% من الأسر على المساعدات، في وقت تتعمد فيه إسرائيل إدخال كميات محدودة من المساعدات لا تتجاوز خُمس حاجة السكان، في وقت يتزايد شعور الفلسطينيين بأن قضيتهم لم تعد ضمن أولويات الدول ولا الشعوب، ولا حتى كثير من المؤسسات الدولية، وكأن الجميع اعتاد مشاهد الخيام والدمار حتى فقد الإحساس بفداحة ما يجري.
وفي مواصي خانيونس جنوباً، حيث الرمال الممتدة والخيام الممزقة والوجوه المنهكة، يعيش الفلسطيني أكرم عصفور فصلاً آخر من حكاية النزوح. يقول عصفور لـ"العربي الجديد" إنه اضطر إلى مغادرة شمال غزة تحت وطأة الحرب ليستقر في خيمة مهترئة لا توفر لعائلته الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ويضيف: "رحلة النزوح لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل من بيت كان يضم ذكرياته وحياته إلى مساحة هشة من القماش، لا تقاوم الرياح والحر والبرد، فيما تتآكل قدرة الناس على الاحتمال يوماً بعد الآخر".
ويؤكد عصفور أن توقف الحرب منح الناس في البداية بارقة أمل، وظن كثيرون أن الأشهر التالية ستحمل انفراجة إنسانية حقيقية، سواء على مستوى الإيواء أو الغذاء أو فرص تحسين الظروف المعيشية والإعمار، "لكن، وبعد أكثر من خمسة شهور لا يزال الوضع القائم على ما هو عليه، بل إن معاناة الناس تتعمق في ظل غياب الحلول الجدية". ولفت إلى أن الأسر التي استبشرت خيراً اصطدمت بواقع ثقيل، "فلا مساكن بديلة، ولا استقرار اقتصادي، ولا معالجة حقيقية للكارثة الإنسانية التي تراكمت طوال شهور الحرب".
أما الفلسطينية فداء عباس، التي تقيم في مخيم بمنطقة الزوايدة وسط القطاع، فتعيش مع أطفالها الأربعة بعد فقدان زوجها خلال الحرب، لتحمل وحدها عبء إعالة الأسرة في ظروف تصفها بأنها بالغة القسوة. وتقول فداء لـ"العربي الجديد" إن تفاصيل الحياة اليومية صارت شديدة الوطأة، من تأمين الطعام والملبس إلى محاولة احتواء احتياجات الأطفال المعيشية، في ظل غياب السند واستمرار التدهور الاقتصادي والإنساني.
وتوضح أن أكثر ما يرهقها ليس الفقر فحسب، بل شعورها بأن أطفالها يكبرون وسط حرمان مركب. وتشير إلى أن كثيرين كانوا يتوقعون أن يتبع توقف الحرب انفراجة تخفف الأعباء عن الناس، وتفتح باباً لتحسن اقتصادي، لكن ما حدث كان على النقيض تماماً، "فالأوضاع ازدادت صعوبة والأسعار بقيت مرتفعة وفرص العمل شبه غائبة والمساعدات لا تكفي".
وتعتقد المتحدثة، مثل كثيرين، أن غزّة لم تعد ضمن أولويات الدول كما كان يُظن، وأن الحروب والتوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إضافة إلى العدوان على لبنان، دفعت بمعاناة الفلسطينيين إلى الخلف، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى حضور سياسي وإنساني يعيد قضيتهم إلى الواجهة.

Related News
كوكوريا: وديّة مصر مهمة للغاية
aawsat
15 minutes ago
جدول مباريات اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 والقنوات الناقلة
al-ain
18 minutes ago
توبة متمسك باللعب لمنتخب الجزائر
aawsat
21 minutes ago