Arab
في "مُتْ، يا حبّي" (2025)، انتصرت البريطانية لين رامزي للقسوة، بوصفها حالة وجودية، وللعنف المعنوي، والكآبة، والذات المسلوبة، والروح الممزّقة. هذه منطلقات نفسية، تتجسّد بوضوح في الشخصية المحورية غريس (جينيفر لورانس): امرأة تُصاب، مباشرة بعد ولادة جنينها، بانهيار نفسي عميق، يتحوّل إلى بؤرة توتّر في الأسرة الصغيرة. ورغم محاولات زوجها جاكسون (روبرت باتينسون) احتواءها، والتخفيف من حدّة أزمتها، تتّخذ الحالة مسارات أعقد وأخطر، فتغدو السيطرة عليها شبه مستحيلة، مع تعدّد مظاهر الاضطراب، وتشظّي تمظهراته في كل المناحي تقريباً.
"مُت يا حبي"، المعروض أولاً في مسابقة الدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/ أيار 2025) لمهرجان "كانّ"، مُقتبس من رواية بالعنوان نفسه (2017)، للأرجنتينية ريانا هارويتز، التي شاركت رامزي في كتابة السيناريو، مع إندا والش وأليس بيرش، وفي صوغ سينمائي يبتعد عن السرد التقليدي، للغوص في الحالتين النفسية والوجدانية.
غريس وجاكسون ينتقلان من نيويورك إلى ريف مونتانا، بعد وراثته بيتاً عائلياً معزولاً. ولادة طفلهما تقلب توازن العلاقة كلياً، فتتحوّل الحياة الزوجية إلى تجربة مرهقة ومحبِطة. بين الانشغال الدائم لجاكسون بالعمل، وبقاء غريس وحيدة في فضاء مغلق، تتفاقم مشاعر العزلة والملل والضغط المرتبط بتوقّعات الأمومة، وصورة الزوجة المثالية. تدريجياً، تبدأ حالتها النفسية في التآكل والانهيار، لتطفو الغرائز الجسدية، وتتضخّم أحاسيس الاغتراب والضياع، وتظهر سلوكيات متقلّبة، تراوح بين الهلوسة والانفجارات العاطفية والاندفاعات غير المحسوبة.
في هذا التقاطع المأزوم بين الداخل النفسي والعلاقة الزوجية، تعيش غريس تناقضاً حاداً بين الحب والاحتياج، الحقد والرهبة، إلى أن يبلغ الفيلم ذروته، مع تلاشي الحدود بين الواقع والخيال، في نظرتها إلى العالم حولها.
استندت رامزي وهارويتز إلى الاضطرابات النفسية، ومنطلقاتها العلمية المثبتة، لتسليط الضوء على شخصية غريس بوصفها حالة نفسية مركّبة، تتجاوز التصنيف المرضي التقليدي، الذي يُعالَج بالمراقبة الطبية، أو بالعلاج النفسي الروتيني. حالتها تتعقّد، ويمكن مقاربتها من منظور علم النفس الإكلينيكي، باعتبارها نموذجاً يجمع بين الاكتئاب واضطراب الهوية والتعلّق، وتفكّك نفسي، وأعراض ذهانية تجعلها تتخيّل أموراً غير موجودة في الواقع.
هذا الصراع ولّد تصادماً حاداً بين ذاتها السابقة، ورغباتها الجسدية، ودورها الغريزي باعتبارها أماً مسؤولة عن رضيعها، ما أوجد حالة من العزلة والاغتراب النفسي المستمر.
حوّلت رامزي بنجاح هذه الحالات المُعقّدة إلى لغة سينمائية بصرية قوية، ابتعدت فيها عن تعدّد التأويلات المحتملة للرواية، بوصفها مادة غير بصرية تعتمد على الخيال في رسم المعالم، وتقدّم صياغة مرئية ركّزت فيها على المشاهد المُقرّبة لالتقاط التفاصيل الدقيقة للتوتر الداخلي للشخصية، عبر تعابير الوجه، والحركات الدقيقة، والتصرّفات الانفعالية. بهذا، فإنّ مدير التصوير البريطاني سياموس ماكغارفي عنصرٌ أساسي في هذا الرهان، لمعرفته كيفية حبس الشخصية المأزومة في الإطار، مُحوّلاً كل لحظة انفعالية إلى تمثيل بصري للاضطرابات النفسية، ما يعكس بشكل ملموس الصراعات الداخلية لغريس. هذا التكامل بين السيناريو والتصوير والمونتاج (توني فروشهامر) والتمثيل خلق انسجاماً فنياً محكماً، جعل الفيلم أشبه بدراسة نفسية مرئية، يلتقي فيها الفن بالتحليل النفسي، لتجسيد حالة مأساوية ـ إنسانية.
لا يتوقف نجاح "مُتْ يا حبي" على المنطلقات العلمية والجمالية تلك فقط، لتجاوزه إياها إلى مستويات أعمق، عبر إدارة دقيقة للزمن الدرامي، أي 118 دقيقة، وهذه مدة زمنية طويلة نسبياً، مع التنبّه إلى العدد المحدود جداً للممثلين، والحيز المكاني الضيق للأحداث، المتمثّل بمنزل ريفي بسيط، مُحاط بساحة خضراء ومساحات متقطعة للغابة. هذه المعطيات، المكانية والزمنية، شكّلت قيوداً واضحة على مساحة المناورة الفنية لرامزي، لكنها في الوقت نفسه جعلتها تركّز أكثر على الديناميات الداخلية للشخصيات، وربط تصرفاتها وسلوكياتها مباشرة بماهية العلل النفسية التي تعانيها، وبمصائبها العاطفية والنفسية.
بفضل هذه الاستراتيجية، حجبت رامزي الصيغ البصرية التقليدية، التي يطلبها المُشاهد غالباً، واستبدلتها بمنطلقات أخرى أعمق، كالروابط الشكلية بين المشهد والشخصية، وقوة السيناريو، وفكّ شيفرة العلل النفسية للشخصية المحورية. كما أن انتظار المتفرج معرفة مصير غريس، بعد استيعابه كل ما يتعلق بحالتها النفسية المعقّدة، يعزّز التوتر الدرامي، ويجعل التجربة السينمائية أكثر تأثيراً.
بذلك، يكون "مُتْ يا حبي" تجربة سينمائية فريدة، بتقديمه درساً علمياً وجمالياً مُتقدّماً، ما يجعله مساهماً كبيراً في فهم الاضطرابات النفسية المعقّدة، واضطرابات ما بعد الولادة خاصة. هذا الجانب يمنح الفيلم بُعداً إنسانياً وكونياً مُتّسعاً، إذ يجمع التحليل النفسي الدقيق بالتجربة الفنية الرصينة.
يُذكر أن الرواية من اكتشاف نادي القراءة الخاص بمارتن سكورسيزي، الذي لم يكتفِ بالقراءة، بل أرسلها إلى شركة إنتاج جينيفر لورانس، موصياً بتمثيلها، ما أطلق الشرارة الأولى لتحقيق الفيلم، الظاهر بهذه الصياغة الجميلة والانسجام بين الرؤيتين النصية والإخراجية، مُقدّماً نموذجاً راقياً للتكامل بين الأدب والسينما.

Related News
أستراليا تخفض ضرائب الوقود لتعويض ارتفاع أسعار النفط
aawsat
8 minutes ago
عطل مفاجئ يشلّ "ديبسيك" 7 ساعات
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
خيارات عديدة.. كيف يلعب منتخب الجزائر ضد أوروغواي؟
al-ain
18 minutes ago