ما قبل "لعبة الحبار" وبعده.. رحلة في إدمان الدراما الكورية الجنوبية
Arab
2 weeks ago
share
قبل أن تتحول الدراما الكورية إلى ظاهرة عالمية، كانت قد وجدت طريقها إلى بيتنا في لبنان كل صباح عند السادسة. في سنوات المرحلة الثانوية، كنت أستيقظ لأجد أمي وأختي تجلسان أمام التلفاز مع فنجاني قهوة، تتابعان بشغف مسلسل "جوهرة القصر" الكوري المدبلج إلى العربية. كان الأمر يثير استغرابي دائماً: كيف يمكن لمسلسل يُعرض في هذا الوقت المبكر أن يصبح طقساً يومياً لا يُفوَّت؟ لم أفهم سرّ هذا الإدمان آنذاك، لكن بعض المشاهد التي وقعت عيني عليها وأنا أعبر غرفة الجلوس بقيت عالقة في الذاكرة. أبطال يرتدون الهنبوك (الثوب الكوري التقليدي)، وبيوت جميلة من طراز الهانوك، ومبارزات بالسيوف كانت تخطف أنفاس أمي وأختي. أما البطل، بشعره الأسود الطويل اللامع، فكان أول احتكاك لي بما سيُعرف لاحقاً بالجمال الكوري. لم أكن أعلم حينها أن تلك اللحظات العابرة ستكون مقدمة بعيدة لعلاقة مختلفة مع الدراما الكورية ستتحول لاحقاً إلى إدمان حقيقي. ورغم الشعبية الواسعة للمسلسلات الكورية، لم أنضم إلى جمهورها إلا بعد صدور مسلسل "لعبة الحبار" (Squid Game) عام 2021 على منصة نتفليكس. شاهدت مواسمه الثلاثة، لكنني لم أغص فعلياً في هذا العالم إلا الشهر الماضي، خلال سهرة طويلة مع طفلتي الرضيعة التي كانت ترفض النوم. بين جولات المشي في المنزل، والهزّ والتربيت على الظهر، بدأ التعب يتسلل إليّ. وعندما غلبني النعاس واليأس، لجأت إلى "نتفليكس" باحثة عن مسلسل يبقيني مستيقظة بينما تنام. اقترحت الخوارزميات عليّ مشاهدة مسلسل "فيما كنتم تتفرّجون"، بما أن إحدى بطلاته الرئيسيات شاركت في "لعبة الحبار". وكان هذا العمل هو الباب الذي سحبني إلى دوامة الدراما الكورية، وجعلني أتنقل بين اقتراحات المنصة لأشاهد مسلسلاً تلو الآخر. المسلسل، المستوحى من رواية "ناعومي وكاناكو" للكاتب الياباني هيديو أوكودا الصادرة عام 2014، يسلّط الضوء على قضية العنف الأسري في كوريا الجنوبية من خلال قصة صديقتين: جو هوي-سو، كاتبة كتب أطفال طموحة متزوجة من رجل أعمال نافذ، وجو إيون-سو، موظفة في متجر فاخر مخصص للشخصيات الكبرى. يعتمد العمل بنية سردية تتنقل بين الحاضر والماضي لتفسير تورّط إيون-سو في وضع خطة لقتل زوج صديقتها. ومن خلال استرجاع الأحداث، نكتشف أن إيون-سو عاشت طفولة قاسية، إذ كانت تختبئ مع أخيها الصغير في خزانة المنزل لتصرف انتباهه عن مشهد تعنيف والدتهما على يد والدهما. ومع اشتداد الأذى النفسي خلال مراهقتها، حاولت الانتحار قبل أن تنقذها صديقتها هوي-سو. لا تحتل جريمة القتل نفسها المساحة الأكبر في السرد، بل تأتي كذروة لسلسلة من الأحداث التي تكشف البنية الاجتماعية للعنف. فالمسلسل يسلّط الضوء على دور والدة الزوج المعنِّف التي تستغل موضوع العنف الأسري لتأليف كتب تمنحها صورة نسوية في المجتمع، بينما تتجاهل الكدمات الواضحة على وجه كنّتها وجسدها. كما يعرض فشل الشرطة في حماية النساء المعنّفات، والعقبات البيروقراطية التي تحول دون تمكن الضحايا من الهروب من علاقات مؤذية، بما في ذلك تواطؤ أفراد من العائلة مع المعتدي. وعلى عكس ما قد يتوقعه بعض المشاهدين، تشير معلومات نشرها موقع آسيالينك التابع لجامعة ملبورن إلى أن كوريا الجنوبية تمتلك إطاراً قانونياً متقدماً نسبياً في مجال قوانين الأسرة في آسيا. فقد ساهمت الحركة النسوية منذ عام 1991 في الاعتراف بالعنف المنزلي بوصفه جريمة مستقلة. كما أُدخل التثقيف حول الوقاية من العنف الأسري إلى المدارس عام 2006، ثم توسّع عام 2014 ليشمل موظفي المؤسسات العامة ضمن التعليم الإلزامي. مع ذلك، أظهرت دراسة حكومية عام 2021 أن امرأة من كل ثلاث نساء في كوريا الجنوبية تعرّضت للعنف المنزلي. ويعزى استمرار هذه الظاهرة جزئياً إلى التأثير العميق للتسلسل الهرمي الكونفوشيوسي في المجتمع الكوري، حيث تُمنح للرجل سلطة واسعة داخل الأسرة. وفي هذا السياق، قد تُصوَّر مقاومة الزوجة للعنف بوصفها خروجاً عن النظام، بينما يُعاد تأطير الاعتداء أحياناً باعتباره "تأديباً". لذلك تخشى نساء كثيرات التبليغ عن أزواجهن، خاصة في ظل ثقافة العار التي لا تزال حاضرة في المجتمع الكوري. وأثناء انغماسي في مشاهدة الدراما الكورية، لفت انتباهي تكرار فكرة الشاهد الصامت غير المتدخل في أكثر من عمل. ففي حين يطرح "فيما كنتم تتفرّجون" هذه الفكرة بوضوح من خلال عنوانه، يعالجها مسلسل "مجد الانتقام" بطريقة مختلفة عبر حبكة تمتد على ستة عشر حلقة. نتعاطف في هذا العمل مع البطلة مون دونغ إيون، التي تعرّضت لتنمّر شديد خلال سنوات المدرسة الثانوية، شمل الاعتداء الجسدي وحرق جسدها بمكواة تجعيد الشعر. ويكشف المسلسل دور المتفرجين الصامتين في استمرار العنف: أساتذة ومسؤولون وممرضة في المدرسة، وحتى أفراد من الشرطة، فشلوا جميعاً في حماية الضحية أو محاسبة المعتدين. كما تظهر شخصيات طلابية اختارت إما الانضمام إلى المتنمرين حمايةً لنفسها، أو الاكتفاء بالمراقبة من بعيد. ولا يتوقف العمل عند هذا الحد، بل يكشف أيضاً أن البطلة نفسها كانت يوماً شاهدة صامتة على تعنيف طالبة أخرى قبلها. وهنا يطرح المسلسل رسالة واضحة: عندما يقع الظلم، لا تقع المسؤولية على المعتدي وحده، بل أيضاً على كل من شهد الأذى واختار الصمت. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 40% من طلاب المرحلة المتوسطة وما فوق في كوريا الجنوبية أقرّوا بتعرضهم لشكل من أشكال التنمر، بينما يُرجّح أن تكون النسبة الفعلية أعلى بكثير، إذ يختار كثير من الضحايا الصمت. ومع أنني لم أدخل عالم الدراما الكورية من الباب نفسه الذي دخلته أمي وأختي، فلا رومانسية ولا سيوف ولا هنبوك وشعر طويل، فإن الإدمان الذي لحقني وجعلني أتسمّر أمام الشاشة هو نفسه. فبغض النظر عن الموضوع الذي تعالجه الدراما الكورية، يجد المشاهد نفسه متأثراً بطريقة السرد وبالقدرة على خلق تعاطف عميق مع الشخصيات، من دون الاعتماد على العنف الدموي أو المشاهد الفجة التي تكثر في الإنتاجات الهوليوودية. وربما هنا يكمن سرّ جاذبية هذه الأعمال: قدرتها على الجمع بين التشويق والعمق الإنساني، وبين الحكاية الشخصية والأسئلة الاجتماعية الكبرى، بطريقة تجعل المشاهد يشعر بأنه لا يكتفي بالمشاهدة فحسب، بل يعيش التجربة مع الشخصيات. وهذا، في النهاية، هو الفن بحد ذاته.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows