خطايا هابرماس
Arab
1 week ago
share
سعى الفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس، في تنظيراته المبكرة إلى تصالح بلاده مع تاريخها النازي، لكنه شق طريقاً "عقلانياً" يدين استبداد هتلر وقتله الملايين دون الاستسلام لعقدة الذنب. وبقدر ما حظيت أفكاره بالاحترام بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية بنحو عقدين، إلا أن انتقادات واسعة وُجّهت لمجمل مواقفه التي تتناقض في كثير من محطاته مع جوهر مشروعه الفكري الذي استند إلى أن الشرعية السياسية تُبنى على النقاش الديمقراطي المفتوح، ولا تأتي هبة من سلطة "مثالية". لم يرتكب هابرماس خطيئته الأولى في بيانه الذي أصدره بعد السابع من أكتوبر مع ثلاثة أكاديميين ألمان، أدانوا فيه "المجزرة" التي ارتكبتها حماس، داعين إلى ضرورة التضامن مع إسرائيل في لحظة لا يمكن أن تُنسب نوايا الإبادة الجماعية إلى أفعال الاحتلال الذي "يدافع عن نفسه"، بحسب البيان. حُكم غير نزيه ومجاف للواقعٍ، ويهدم مفاهيم صاحب كتاب "الأخلاق والتواصل" نفسها التي تتبنى الحوار في المجال العام، بعد مصادرته أي حقّ لمقاومة استعمار استيطاني إحلالي تحت ذريعة الدفاع عن حق المحتل في الوجود وحماية اليهود الألمان من حملات معاداة السامية. وارتكز موقف هابرماس على الخلط المتعمد بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية، ما يصب لصالح قمع النقاشات في ألمانيا حول حقوق الشعب الفلسطيني، وإسكات كل من يجرؤ على المطالبة بوقف إطلاق النار ووقف الإبادة في غزة التي استمرت لأكثر من عامين، في موقف عدّه معارضوه ضرباً من اللامبالاة الأخلاقية، التي تعفي الحكومات الغربية من التزاماتها السياسية تجاه حل عادل للقضية الفلسطينية، وهي التي تتحمل المسؤولية التاريخية عن التطهير العرقي عام 1948. ظلّ سؤال الاستعمار مهمّشاً إلى حد كبير في فكره الفلسفي لكن الأخطر من ذلك، هو جوهر خطاب المفكر الألماني الذي يعبّر عن منظومة فلسفية أوروبية لا تضع بقية شعوب العالم على قدم المساواة مع الأوروبيين، وتغيّبهم بوصفهم متلقياً لمواقفه وآرائه التي لا تتخطى حدود انتقاد الهيمنة الرأسمالية، دون أن تخرج عن المؤسسة الغربية وهياكل سلطتها، وبذلك تتراجع لديه أولوية التضامن مع نضالات هذه الشعوب من أجل التحرر. لم تنل قضايا الجنوب حظها من مراجعات هابرماس مثلما فعل تجاه الهولوكوست التي خصّها بالإدانة لأسباب عديدة في صدارتها تمركزه على أوروبيته في سياق تطورها المبني على حداثة وعقلانية وديمقراطية تخصّها وحدها، وتجاوزها لأخطائها بما يتيح استمرار تفوقها الحضاري، وظلّ الاستعمار مهمشاً إلى حد كبير في فكره الفلسفي، دون الذهاب بشكل مباشر وواضح لمراجعة الماضي الاستعماري لأوروبا، وألمانيا خاصة التي ارتكبت أول إبادة جماعية في القرن العشرين بين عامي 1904 و1908، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الناميبيين الأبرياء في ظروف لا إنسانية ووحشية. وقد يعتقد البعض أن طبيعة المفكر واشتغالاته المعرفية تحولان دون اشتباكه مع الحدث السياسي، غير أن الواقع يثبت العكس نظراً إلى مقالاته التي تكرّس انحيازه إلى قوة إمبريالية مثل حلف الناتو، في إطار دفاعه عن بنية الأمن الغربي، في مقال نشره في الثالث والعشرين من مارس/ آذار 2025 تحت عنوان "يجب على أوروبا المضي قدماً في تكاملها ودفاعها عن النفس"، في جريدة زود دويتشه تسايتونغ. يشير هابرماس في مقاله إلى أن الاتحاد الأوروبي لن ينال استقلاله الجيوسياسي إلا من خلال توحيد قوته العسكرية في مواجهة الخصوم والمنافسين داخل القارة وخارجها. يشكّل الخلاص الألماني منطلقاً أساسياً يحكم توجهات هابرماس في تحليله السياسي، فهو يعارض قرارات حكومة بلاده المنفردة بخصوص تعزيز قوة الجيش الألماني، إنما يرى أن الحل في تأسيس جيش أوروبي موحد يعكس أصولية فكرية، ترى أن الحفاظ على مستقبل البشرية مرهون بتكامل القارة العجوز وإدامة التحالف عبر الأطلسي. هابرماس الذي التحق بشبيبة هتلر قبل أن يبلغ السادسة عشرة مثل معظم أقرانه، لم ينج من النازية التي تجعله يصطف مع معادلها الموضوعي مجسداً بالصهيونية. خلافاً لمثقف ألماني آخر خاض التجربة ذاتها وهو الروائي غونتر غراس الذي هاجم إسرائيل أكثر من مرة، لأنها سرقت أراضي الفلسطينيين وطردتهم منها وعدتهم مواطنين من الدرجة الثانية، وأدان دعم الغرب المطلق لها عبر تزويدها بالسلاح والمال وتأييدها سياسياً في كل جرائمها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows