أثارت التصريحات الأخيرة للفيلسوف الفرنسي ووزير التعليم الأسبق لوك فيري موجة واسعة من ردود الفعل، اتفقت غالبيتها على استهجان مضمونها لما تنطوي عليه من خطورة فكرية وسياسية. فقد صرّح، يوم الأربعاء الماضي، على إحدى القنوات الإخبارية الفرنسية، تعليقًا على الحرب في الشرق الأوسط، بأن "القانون الدولي صالح بين الأمم المحترمة… أما مع المارقين والمجرمين، فهو ليس مجرد أمر مضحك، بل محض عبثٌ ".
إذا كان لوك فيري يسعى، من خلال هذا القول، إلى إرساء نوع من التراتبية بين الأمم، عبر تخصيص القانون الدولي بفئة "محترمة" دون غيرها، فإنه، ربما من حيث لا يدري، يقضي على فكرة القانون من أصلها. فحين يُخصَّص مجال القانون، يُشرَّع في الوقت ذاته لفكرة "اللاقانون"، بما تعنيه في النهاية من نفي القانون كقاعدة عامة وشاملة. كما أن هذا المنطق يقوّض إحدى أهم خصائص القانون الدولي، وهي كونيته. والأخطر من ذلك أن هذا التصور التمييزي يمكن سحبه على المستوى الداخلي للدول، بحيث يُطبَّق القانون على "مستحقيه" فقط، ويُستثنى منه من يُصنَّفون في خانة المروق والانحراف، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على فكرة الدولة نفسها.
من زاوية أخرى، يفرغ لوك فيري القانون من مضمونه حين يحوّله من حق إنساني كوني إلى امتياز. فنحن أمام ضرب مباشر للأسس الفلسفية التنويرية للعقل القانوني، كما بلورتها فلسفة الأنوار، وهي الفلسفة التي لطالما خصّها فيري باهتمام نظري في كتاباته. فماذا يتبقّى من القانون إذا أصبح امتيازًا؟ وماذا يتبقّى من الأنوار إذا عدنا، عمليًا، إلى مجتمع الامتيازات القروسطية؟
إن العالم الذي يدافع عنه فيري ليس عالمًا تحكمه القواعد، بل عالم تسوده القوة. فمن الذي سيحدد، في هذا المنطق، من هي الأمم "المحترمة"؟ وبأي معايير؟ إنها الأسئلة ذاتها التي طرحتها أوروبا في بدايات خروجها من ظلمات العصور الوسطى، منذ القرن الرابع عشر، وها هي تعود اليوم لتُستعاد في مشهد فكري وإعلامي بائس، يعكس تراجعًا مقلقًا في الخطاب واقعا ووعيا.
غير أن فهم تصريحات لوك فيري لا يقتضي البحث عنها في عمق الفلسفة أو في وجاهة الفكر، بقدر ما يقتضي النظر إلى تموقعه السياسي. ففي التصريح ذاته يقول: "من يتحدثون عن القانون الدولي يستهدفون، في الحقيقة، إسرائيل". وهو انزلاق مألوف، يتم فيه تحويل أي نقاش قانوني أو أخلاقي إلى ذريعة لاصطناع تهمة معاداة السامية، بشكل خطير، يحجب معاداة السامية الحقيقية القائمة فعلًا في الواقع. ومن المنطلق السياسي نفسه، كان فيري قد كتب، في صيف العام الماضي، مقالًا في صحيفة فرنسية اعتبر فيه أن الحضارات غير متساوية، مستعيدًا بذلك أبشع تنظيرات الفكر الاستعماري في القرن التاسع عشر.
Related News