سبتمبر نت/ مقال – خليل الزكري
في مقر متواضع، ينشغل عدد من الصحفيين بمتابعة آخر التحديثات القادمة من الجبهات، خلف مكاتب بسيطة تتكدس عليها أوراق وتقارير ميدانية يعملون بصمت لإخراج العدد الجديد من صحيفة “26 سبتمبر”؛ الصحيفة التي واكبت مسيرة الجيش منذ تأسيسه، وظلت صوتا نابضا باسمه في أحلك الظروف.
تواجه الصحيفة اليوم تحديات كبيرة، حيث لا توجد إمكانيات فنية معتبرة، ولا أجهزة حديثة، ولا دعم لوجستي يذكر.
يعمل اغلب الصحفيون على شاشات كمبيوترات متعبة، وبإرادة لا تلين، ليبقى صوت القوات المسلحة مسموعا مهما اشتدت التحديات.
ربما لا يعرف كثيرون أن الصحيفة التي يطالعونها اليوم بصيغة (PDF) لم تعد تطبع ورقيا، ومع ذلك لم تتوقف، واستمرت في الصدور بجهود كبيرة يبذلها رئيس التحرير العميد أحمد الاشول، وكادر صحفي يؤمن بأهمية المعركة الإعلامية، وبأن خفوت صوت القوات المسلحة يعني ترك ساحة الإعلام فارغة أمام دعاية وأباطيل مليشيا الحوثي الإرهابية وأكاذيبها.
لقد اختار هؤلاء الصحفيون أن يخوضوا معركة مختلفة؛ معركة الكلمة معركة الوعي، لكي يبقى للجيش منبرا يروي قصته، ويوثق تضحيات جنوده وقاداته الأبطال، ويقدم الحقيقة للرأي العام في زمن تختلط فيه الوقائع بالدعاية والزيف.
الإعلام العسكري جبهة موازية
في زمن لم تعد الحروب فيه تحسم بالرصاص والبارود وحدهما، فالمعركة تمتد أيضا إلى العقول؛ إلى الوعي، حيث تلعب الكلمة دورا لا يقل تأثيره عن السلاح، لذلك يعد الإعلام العسكري جبهة موازية للجبهات المشتعلة في الميدان.
في جبهات مثل مريس الضالع وتعز والجوف ومأرب وحجة والحديدة وشبوة، يقاتل الجنود دفاعا عن الجمهورية، بينما يقاتل الإعلاميون في جبهة موازية؛ جبهة الوعي، حيث تتمثل مهمتهم بنقل الحقيقة من قلب المعركة، وتعزيز معنويات المقاتلين الأبطال، وكشف التضليل الذي تحاول مليشيا الحوثي الإرهابية نشره عبر منصاتها الإعلامية.
وفي الحالة اليمنية تكتسب المعركة الإعلامية أهمية مضاعفة، فمليشيا الحوثي تدير ماكينة إعلامية نشطة تسعى إلى تزييف الوقائع وترويج رواياتها، في محاولة لإطالة أمد الحرب وتشويه صورة معركة استعادة الدولة والهوية الوطنية، وهنا يصبح الإعلام الوطني خط الدفاع الأول عن القضية الوطنية وعن الجمهورية ومكتسبات الثورة.
جهد كبير بإمكانات شحيحة
رغم شحة الإمكانات، يواصل كادر “26 سبتمبر” وموقعها الإلكتروني “سبتمبر نت” العمل اليومي بإصرار لافت، وتقديم تغطيات ميدانية، وتقارير إنسانية، ومقالات تحليلية تسلط الضوء على معركة استعادة الدولة وحركة بناء المؤسسة العسكرية، وابراز تضحيات الابطال.
هذا الجهد، تبرز نماذجه واضحة في أعداد الصحيفة وموقعها: تقارير ميدانية من جبهات القتال تروي قصة مقاتلين يفطرون في الخنادق بينما تبقى أعينهم على ناظور المراقبة، وتقارير عن عمليات نوعية للقوات الأمنية في إحباط محاولة تهريب المخدرات والأسلحة القادمة من إيران، إضافة إلى مواد تحليلية تتناول جهود وزارة الدفاع في تعزيز بناء المؤسسة العسكرية على أسس الاحتراف والحوكمة.
فهذه المواد ليست مجرد أخبار عابرة، أكثر مما هي توثيق يومي لتضحيات الجيش، وإسهام في حماية المجتمع من الشائعات وحروب المعلومات المضللة.
لفتة مستحقة
إن استمرار “26 سبتمبر” في الصدور رغم كل الصعاب يعد في حد ذاته قصة صمود فريد يحتاج إلى دعم مؤسسي يعزز قدرته على الاستمرار والتطوير.
وقد أظهر وزير الدفاع الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي، خلال اجتماعاته مع قيادات الوزارة ورؤساء الهيئات، اهتماما واضحا ببناء المؤسسة العسكرية وفق رؤية استراتيجية حديثة، مع التأكيد على أهمية التوجيه المعنوي ورفع الروح المعنوية للمقاتلين.
ومن هذا المنطلق، فإن الالتفات إلى صحيفة “26 سبتمبر” ودعمها تقنيا وماديا يمثل خطوة ضرورية في مسار تطوير الإعلام العسكري، بما يوازي الدور الذي تؤديه القوات المسلحة في الميدان.
في زمن الحرب، الإعلام ليس ترفا، وإنما أحد الأدوات الأساسية للمعركة، فكما يستحق الجندي في الجبهة أفضل العتاد، يستحق صوته أيضا إعلاما قويا ونوعيا، قادرا على نقل الحقيقة والدفاع عنها، و26سبتمبر خير من ينقل هذا الصوت وأفضل من يدون الملاحم والبطولات والانتصارات.
مترس واحد
من داخل غرفة تحرير متواضعة في مأرب، يواصل صحفيو “26 سبتمبر” أداء مهمتهم اليومية، بمثل عزيمة إخوانهم في الجبهات، مرابطون في موقعهم، يكتبون عن المعركة ويؤرخون لتضحياتها.
رسالتهم قوية وواضحة: أن يبقى صوت ابطال القوات المسلحة حاضرا بقوة، وأن تبقى مكتسبات واهداف الثورة والجمهورية وتضحيات أبطالها حية في ذاكرة اليمنيين.
ففي معركة استعادة الدولة، قد تختلف الجبهات، لكن الهدف واحد، وكما يحمل الجندي بندقيته دفاعا عن الوطن، يحمل الصحفي قلمه ليحمي الحقيقة، في معركة مصيرية مشتركة، يجب أن توظف كافة الطاقات من أجلها.