الرشاد برس | تقــــــــاريــــــــر
يواجه طموح المليشيا الحوثية في اليمن اختباراً هو الأصعب منذ سنوات، مع تصاعد وتيرة الصراع الإقليمي الذي بات يستهدف العمق الإيراني، مما يهدد بتجفيف “شرايين الحياة” التي تعتمد عليها المليشيا، ويضع البلاد أمام “تسونامي” اقتصادي قد يطيح باستقرار سلاسل الإمداد الحيوية.
وتشير معطيات ميدانية وتقارير خبراء، إلى أن الجماعة باتت في حالة من “التيه الاستراتيجي” بعد تضرر أصول حليفها الأول في طهران، وهو ما قد يجبرها على المفاضلة بين الارتهان للأيديولوجيا الإيرانية أو الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن المعيشي في مناطق سيطرتها.
تآكل الدعم وتوقف “المنح”
لسنوات، شكلت طهران “الرئة” المالية والعسكرية للحوثيين. لكن مع اشتعال الجبهات المباشرة، يتوقع مراقبون تراجع المنح النفطية التي تضخها إيران (وتقدر بنحو 30 مليون دولار شهرياً) في خزائن الجماعة.
ويقول فيصل عرمان، باحث في الشؤون الإقليمية، إن أي هجوم واسع على الموانئ الإيرانية سيعني توقف تدفق الغاز والوقود المهرب الذي يعتمد عليه الحوثيون لإدارة اقتصاد “السوق السوداء” وتمويل مجهودهم الحربي، مما سيخلق فجوة طاقة لا يمكن سدها محلياً في المدى المنظور.
ارتباط عضوي بالخليج.. “المفارقة المؤلمة”
تظهر لغة الأرقام لعام 2024 مفارقة حادة؛ فبينما يهاجم الحوثيون المصالح الدولية، يظل الاقتصاد اليمني رهينة كاملة للموانئ والأسواق الخليجية:
تستحوذ دول مجلس التعاون على 71% من إجمالي واردات البلاد، بما في ذلك 60% من مشتقات الوقود الأساسية (ديزل، مازوت، بنزين).
الأمن الغذائي: يمثل الغذاء نحو 29.37% من فاتورة الاستيراد، وأغلبها يمر عبر ممرات ملاحية باتت اليوم “أهدافاً محتملة” في الصراع الإيراني-الإسرائيلي.
صدمة الأسواق: التأمين واللوجستيات
بدأت تداعيات الحرب تظهر فعلياً في الأسواق المحلية قبل وصول النيران إليها. وأكد رجال أعمال في صنعاء – طلبوا عدم كشف هوياتهم – أن شركات التأمين البحري رفعت رسوم الحاويات المتجهة لليمن بمقدار 3000 دولار للحاوية بشكل فوري.
ويحذر هاني السعدي، محلل اقتصادي، من أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز سيعني “إظلاماً تاماً” وشللاً في قطاعات النقل والصناعة اليمنية، مؤكداً أن المنافذ البرية (الوديعة وشحن) رغم أهميتها، لا تملك القدرة اللوجستية لتعويض الشحن البحري الكثيف.
تهاوي “النماذج الموازية”
تزامن التصعيد الإقليمي مع تعثر مشاريع حوثية كانت تهدف لاستنساخ تجربة “حزب الله” اللبناني؛ حيث توقفت مساعي إنشاء بورصة أوراق مالية في صنعاء، وانهار طموح بناء نظام مالي موازٍ يشبه “صندوق القرض الحسن” بعد الضربات التي تلقاها المركز الرئيسي للصندوق في بيروت، مما أفقد الجماعة نموذجاً لإدارة الأموال بعيداً عن الرقابة الدولية.
الخلاصة
تجد المليشيا الحوثية نفسها عند مفترق طرق؛ فالانخراط الكامل في حرب إيران يعني التضحية بالاستقرار النسبي للأسواق اليمنية المرتبطة بالخليج، بينما التخلي عن طهران يعني فقدان الغطاء العسكري والمالي. وبين هذين الخيارين، يبقى المواطن اليمني هو الطرف الأكثر عرضة لدفع ثمن أي “مغامرة” غير محسوبة في مياه الخليج.
http://الحوثيون بين نار طهران وضغط الاقتصاد اليمني