بقلم / صالح يوسف
منذ صعوده إلى السلطة في إيران في أواخر الثمانينيات، استطاع آية الله علي خامنئي أن يفرض نفسه قائدًا ذا رؤية استراتيجية سعت إلى استعادة “مجد” إيران من خلال تصدير الثورة الإسلامية إلى محيطها الإقليمي. لكن ما لم يدركه كثيرون آنذاك أن تلك الرؤية لم تحمل معها سوى مزيد من الفوضى والدمار لشعوب المنطقة، لتتحول إيران إلى مصدر رئيس للصراعات المستمرة في الشرق الأوسط.
التحول إلى إمبراطورية من الخراب
خامنئي، الذي خلف مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني، ورث دولة مليئة بالثروات والفرص، لكنه اختار توجيه تلك الثروات نحو مسار سياسي استراتيجي ضار، لم يقتصر على السعي إلى الهيمنة الإقليمية فحسب، بل تجاوزه إلى تدخلات مسلحة في شؤون جيران إيران. ومع مرور الوقت، أصبحت إيران مركزًا إقليميًا يتلاعب بمصير دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو ما يعكس بوضوح اختيارات خامنئي التي أسهمت في تعزيز شعور شعوب هذه الدول بالعجز والضياع.
العراق: من السقوط إلى السقوط في يد إيران
عقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003، أصبح العراق ساحة لمعارك دموية جديدة، لكن هذه المرة بين أطراف داخلية وخارجية كانت إيران تمارس عليها نفوذًا غير مباشر. ورغم أن طهران تروج دائمًا لمزاعم “دعمها للاستقرار”، فإن الواقع يشير إلى أنها استغلت الفوضى لتعزيز هيمنتها عبر دعم ميليشيات طائفية، مثل “الحشد الشعبي”، التي نفذت عمليات عنف وقتل بحق مدنيين، ما أدى إلى تصاعد الطائفية وتقويض الأمن والاستقرار الداخلي. اختار خامنئي أن يكون جزءًا من هذا المشهد، حتى وإن كان ذلك على حساب الشعب العراقي الذي يعاني منذ عقود.
سوريا: دعم نظام الأسد على حساب الإنسانية
لا يختلف الوضع في سوريا كثيرًا عن العراق. فمنذ اندلاع الصراع عام 2011، كانت إيران من أوائل الدول التي أرسلت قواتها لدعم النظام. وكان دعم خامنئي لنظام بشار الأسد عاملًا رئيسًا في استمرار الأزمة السورية وتصاعدها. لم يكن التدخل دفاعًا عن استقرار سوريا بقدر ما كان انحيازًا إلى نظام حكم البلاد بقبضة حديدية لأكثر من خمسة عقود، في ظل تدمير ممنهج لمؤسسات الدولة. وأسهمت التدخلات العسكرية في مقتل مئات الآلاف من السوريين، كما أجبرت الملايين على النزوح في واحدة من أكبر أزمات اللجوء في تاريخ المنطقة.
لبنان: حزب الله والهيمنة الإيرانية
في لبنان، أصبح حزب الله، المدعوم من إيران، الذراع العسكرية التي تعزز نفوذ طهران في قلب العالم العربي. ومنذ نشأته في الثمانينيات، تطور الحزب ليغدو أداة لتنفيذ السياسات الإيرانية في المنطقة، ولا سيما في لبنان وسوريا. ولا يقتصر دوره على التأثير في المعادلات الأمنية اللبنانية، بل يمتد إلى تكريس واقع سياسي معقد يحدّ من قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة، ما أسهم في تعميق أزمات لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
اليمن: الحوثيون وحرب لا نهاية لها
أما في اليمن، فقد كان خامنئي أحد أبرز الداعمين للحوثيين، ما أسهم في تحويل البلاد إلى ساحة صراع دموي منذ عام 2014. واستغلت إيران النزاع لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، الأمر الذي أدى إلى حرب مستمرة وتفاقم كارثة إنسانية غير مسبوقة. واليوم، يعاني الشعب اليمني من أوضاع إنسانية مأساوية، بينما تواصل إيران دعم الجماعة الحوثية سياسيًا وإعلاميًا، في سياق صراع إقليمي أوسع.
التدخلات الإيرانية: نتيجة واحدة
يمكن القول إن سياسات خامنئي في المنطقة تعكس نهجًا استراتيجيًا قائمًا على توسيع النفوذ عبر أدوات عسكرية وأيديولوجية، بدلًا من بناء شراكات اقتصادية ودبلوماسية متوازنة مع الجوار. وقد أفضت هذه السياسات إلى تفكك مؤسسات في عدد من الدول، وتعميق الانقسامات الطائفية، واستمرار دوامات العنف.
وإذا كان الهدف المعلن هو تعزيز مكانة إيران الإقليمية، فإن الواقع يكشف أن هذا النفوذ جاء مكلفًا، سواء على صعيد استقرار المنطقة أو على صعيد الداخل الإيراني الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
خاتمة: الخيارات المدمرة
لقد وضعت سياسات خامنئي إيران والمنطقة أمام خيار صعب: إما الاستمرار في منطق الصراعات بالوكالة وتصدير الأزمات، أو مراجعة المسار والاتجاه نحو مقاربة تقوم على التهدئة والتعاون الإقليمي. ولا شك أن البحث عن سلام مستدام يظل الطريق الأقل كلفة لإيران وشعوب المنطقة على حد سواء.