بقلم / صالح يوسف
في عوالم السياسة والإدارة، حيث تزدحم الساحة بالشعارات وتتقاطع المصالح وتتشابك الحسابات المعقدة، نادرًا ما يبرز مسؤول يترك أثرًا حقيقيًا ملموسًا يتجاوز المنصب ليصل إلى حياة الناس اليومية بصدق وإخلاص.
الدكتور محمد شبيبة، وزير الأوقاف والإرشاد السابق، يمثل أحد هؤلاء القلة الذين لا يُقاس حضورهم بالكلمات الرنانة أو الوعود العابرة، بل بالإنجازات الميدانية والنتائج العملية التي تظل شاهدة على صاحبها حتى بعد ترجله عن صهوة المسؤولية.
أكتب هذا المقال اليوم، والدكتور شبيبة قد غادر أسوار وزارة الأوقاف، لكي تبرأ الكلمة من أي مظنة للمصلحة الشخصية. فأنا من اقصى الجنوب وهو من اقصى الشمال، ولكن الحق لابد أن يُقال، وننزه المقال عن شائبة التزلف أو التقرب؛ فشهادة الحق في حق الكفاءات الوطنية أمانة تاريخية، والإنصاف يجب أن يُعمم ليكون منارة تهتدي بها الأجيال القادمة في العمل العام.
لقد استطاع الدكتور شبيبة، خلال فترة توليه الوجيزة، أن يُحدث ثورة إدارية هادئة، محولًا وزارة الأوقاف من كيان روتيني غارق في البيروقراطية المكتبية الساكنة إلى نموذج إداري حيوي وفعال يُحتذى به على مستوى اليمن قاطبة.
لم يكن اهتمامه بتطوير الأداء وتجويد الخطط مجرد استيفاء لواجب وظيفي تفرضه اللوائح، بل كان انعكاسًا عميقًا لإخلاصه الوطني الصادق ورؤيته الثاقبة لمؤسسة يجب أن تخدم المواطن أولًا، جاعلًا من العمل الحكومي تجربة ملموسة يشعر بها المواطن البسيط قبل المسؤول الرفيع. وإذا كان المقام لا يتسع لسرد قائمة إنجازاته الطويلة في هيكلة الوزارة وضبط مواردها، فإن الأثر الذي تركه في نفوس الناس والموظفين يغني عن كل بيان.
ولعل أبهى ما ميز مدرسة شبيبة الإدارية هو ذلك الوجه الإنساني الذي قلما نراه في كبار المسؤولين؛ فقد اتسم بتواضع جم وانفتاح استثنائي على هموم المواطنين، محطّمًا الجدران العازلة التي عادة ما تحيط بصناع القرار.
لم تكن حكاية هاتفه المفتوح على مدار الساعة لاستقبال الشكاوى وحل الإشكالات مجرد مبالغة دعائية، بل كانت واقعًا معاشًا، ولي تجربة شخصية قريبة بذلك؛ حيث واجه أحد الأصدقاء معضلة إدارية معقدة ظن معها أن التواصل مع الوزير أمر مستحيل، ولكن بمجرد عرض المشكلة بوضوح، جاء الرد مباشرًا وشخصيًا، بل وتجاوز ذلك إلى التواصل الهاتفي والمتابعة الحثيثة حتى حُلت الإشكالية بفاعلية وسرعة مدهشة.
هذا الانفتاح ليس مجرد سلوك فردي، بل هو فلسفة قيادية تعكس حس المسؤولية والالتزام الأخلاقي، وتميز المسؤول الحقيقي عن الإداري التقليدي الذي يختبئ خلف البيروقراطية والروتين والبروتوكولات الجوفاء.
إن الحديث عن الدكتور شبيبة لا يستقيم دون الإشارة إلى الحاضنة السياسية والوطنية التي صقلت هذه الشخصية، وهي حزب الرشاد، الذي أثبت عبر قيادة شبيبة أنه يمتلك مخزونًا استراتيجيًا من الكفاءات الوطنية القادرة على الإبداع في الإدارة العامة وتقديم حلول عملية لمشكلات الواقع.
لقد برهن الحزب، أنه مدرسة لإنتاج قيادات تجمع بين الرؤية الفكرية والمهنية العالية والإخلاص الوطني، تمامًا كما فعل شبيبة في قيادته للوزارة، حيث برهن أن القيادة ليست وجاهة أو منصبًا، بل هي قدرة فذة على تحويل المؤسسات إلى أدوات فعالة لخدمة المجتمع وتحقيق الإنجازات التي يلمسها الجميع في الميدان.
ما يميز تجربة شبيبة أيضًا هو المزج الفريد بين الصرامة المهنية والإنسانية العملية؛ فلم يكن يومًا مسؤولًا يكتفي بالمراسلات الرسمية الباردة، بل كان حاضرًا بروح المتابع لكل صغيرة وكبيرة، يراقب مسارات العمل ويصحح الاعوجاج بلمسة القائد الواثق، مما جعل كل مشروع أو مبادرة تخرج من مشكاة الوزارة تُنجز بأعلى مستويات الجودة والكفاءة.
واليوم، تظل وزارة الأوقاف التي غادرها معيارًا يُقاس عليه النجاح الإداري ودرسًا عمليًا لكل مسؤول يطمح لترك بصمة خالدة. إن إرث شبيبة لم يُكتب بمداد على ورق التقارير، بل حُفر في ذاكرة الوطن بنتائج ملموسة على الأرض، تجسد أسمى معاني التضحية والالتزام، وتثبت في زمن قل فيه الإخلاص أن القيادة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل السلطة إلى خدمة فعلية وملموسة ترفع من شأن الوطن وتصون كرامة المواطن.
Related News