يمن مونيتور/ مأرب/ خاص:
انطلاقاً من التناقض الصارخ في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، أصدر مركز أبعاد للدراسات والبحوث ورقة تحليلية معمقة للباحث محمد ياغي، سلطت الضوء على “وهم السيطرة” الذي يحيط بالسياسة الأمريكية تجاه طهران والمنطقة.
ويرى التحليل أن واشنطن تندفع نحو حافة الهاوية تحت غطاء “السلام بالقوة”، وسط تحشيدات عسكرية غير مسبوقة تضع المنطقة أمام خيارين: إما إخضاع قسري للنظام الإيراني أو انفجار إقليمي شامل تتجاوز كلفته حسابات البيت الأبيض.
إخضاع بدون حرب: استراتيجية “السلام القسري”
يرى الباحث محمد ياغي في دراسته المنشورة عبر مركز “أبعاد”، أن إدارة ترامب تتبنى حالياً مقاربة تهدف إلى انتزاع تنازلات استراتيجية من إيران دون الانخراط في غزو بري مكلف. وتعتمد هذه السياسة، التي يصفها بـ “السلام القسري”، على خلق مناخ من الرعب الوجودي لدى القيادة الإيرانية عبر تحشيد عسكري هو الأضخم منذ عام 2003، يشمل حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية، بهدف دفع طهران لقبول اتفاق جديد يفكك برنامجها النووي ويقيد أذرعها الإقليمية.
ويوضح ياغي أن هذا التوجه يعتمد بالأساس على “الضغط النفسي” كأداة للإخضاع، حيث يراهن ترامب على أن التلويح بالقوة المفرطة سيجبر طهران على التراجع عن طموحاتها النووية وسياساتها التوسعية. وفي حال فشل هذا الضغط، تشير الورقة إلى أن واشنطن قد تتدرج نحو “ضربات محدودة” أو حملة جوية واسعة تستهدف مراكز القيادة والبنية التحتية، مفترضةً أن إيران ستفضل استيعاب الضربة حفاظاً على بقاء النظام بدل الذهاب إلى صدام مدمر.
إلا أن الورقة التحذيرية لمركز “أبعاد” تنبه إلى أن هذا المنطق يستند إلى افتراض محفوف بالمخاطر؛ فالمرشد الأعلى علي خامنئي وحلفاء طهران في المنطقة، بدءاً من الحوثيين في اليمن وصولاً إلى فصائل العراق وحزب الله، أكدوا بوضوح أن أي مواجهة لن تظل محصورة. وبحسب ياغي، فإن سوء التقدير هنا يتمثل في افتراض قدرة واشنطن على التحكم في سقف التصعيد، بينما تشير المعطيات الميدانية إلى أن المسار قد يتطور بسرعة إلى حرب إقليمية خارجة عن السيطرة.
- اليمن على مفترق طرق: تفكك “الانتقالي” وبروز “إقليم الشرق” يكسر ثنائية الشمال والجنوب
- صفقة أم حرب؟ 5 حقائق صادمة خلف الكواليس حول المواجهة الأمريكية القادمة مع إيران
كلفة التصعيد: فاتورة تتجاوز القدرة الأمريكية
ويشدد الباحث محمد ياغي على أن كلفة الحرب تظل العامل الأساسي الذي كبح جماح واشنطن طوال العقود الماضية، مؤكداً أن أي هجوم أمريكي سيقابله رد إيراني يستهدف عصب الاقتصاد العالمي. ويشير التحليل إلى أن إغلاق مضيق هرمز وباب المندب واستهداف منشآت الطاقة في الخليج سيؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط وموجة تضخم عالمية، ما سيضرب القاعدة الانتخابية لترامب التي دعمته لإنهاء “الحروب الخارجية” لا لإشعال حروب جديدة.
وتطرح دراسة مركز “أبعاد” معضلة الخيارات العسكرية المتاحة أمام واشنطن؛ فإسقاط النظام الإيراني يتطلب نشراً واسعاً للقوات البرية، وهو ما يتناقض مع استراتيجية ترامب للأمن القومي التي تمنح الأولوية لمواجهة الصين. أما خيار اللجوء للسلاح النووي لإنهاء الصراع بسرعة، فيراه ياغي خياراً مستبعداً وخطراً للغاية، كونه يمنح شرعية لروسيا أو غيرها لاستخدامه في نزاعات تقليدية، مما يجعل السلاح النووي أداة للردع لا أداة لحسم الحروب الإقليمية.
وعليه، فإن التبعات الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة شاملة ستكون باهظة جداً على الداخل الأمريكي، حيث قد تُستنزف تريليونات الدولارات في صراع جديد يعيد للأذهان تجربة العراق وأفغانستان. ويوضح ياغي أن الرؤساء الأمريكيين السابقين، من بوش إلى بايدن، أحجموا عن ضرب إيران إدراكاً منهم لهذه الكلفة، مما يجعل مقامرة ترامب الحالية محاولة للسير على حبل مشدود بين الضغط الأقصى وتجنب الانهيار الاقتصادي العالمي.

مخاطر سوء التقدير: فخ “ضبط النفس” الإيراني
وتطرح الورقة التحليلية لمركز “أبعاد” نقطة جوهرية تتعلق بكيفية قراءة واشنطن للسلوك الإيراني السابق؛ حيث يرى محمد ياغي أن نجاح ترامب في اغتيال سليماني وتوجيه ضربات للمنشآت النووية في يونيو 2025 دون رد إيراني واسع، خلق “انطباعاً زائفاً” لدى واشنطن بإمكانية التمادي دون دفع ثمن. ويحذر ياغي من أن تفسير “ضبط النفس” الإيراني على أنه ضعف هو أخطر أنواع سوء التقدير الاستراتيجي الذي قد يقود للكارثة.
ويشير الباحث إلى أن إيران، التي اعتمدت أسلوب التحذير المسبق عبر وسطاء في هجماتها السابقة على “عين الأسد” و”العديد”، قد لا تلتزم بنفس القواعد إذا شعرت بتهديد وجودي حقيقي. فالتحول من “الصبر الاستراتيجي” إلى “الرد الحاسم” قد يحدث في اللحظة التي تظن فيها واشنطن أنها قادرة على توجيه ضربة قاضية للبنية التحتية أو القيادة الإيرانية دون عواقب، وهو ما يجعل منطق الردع حالياً في أضعف حالاته نتيجة غياب وضوح الرسائل.
علاوة على ذلك، تلفت الدراسة الانتباه إلى الموقف الإقليمي الرافض للحرب، حيث أبلغت السعودية ودول خليجية أخرى واشنطن برفض استخدام أراضيها أو أجوائها لشن هجوم على إيران. هذا المتغير، بحسب ياغي، يزيد من عزلة الخيار العسكري الأمريكي ويجعل من الصعوبة بمكان تحقيق نتائج حاسمة وسريعة، مما قد يدفع ترامب للبحث عن “مخرج دبلوماسي” يحفظ ماء الوجه بعد أن بلغ التصعيد مداه الأقصى.
تآكل المساءلة والبيئة السياسية لصناعة القرار
وفي قراءة غير تقليدية، يربط الباحث محمد ياغي بين تآكل منظومة المساءلة الدولية وبين سهولة اتخاذ قرارات حربية متهورة؛ حيث يشير إلى أن الفضائح المرتبطة بالنخب العالمية (مثل قضية إبستين) كشفت عن بيئة سياسية تعمل خارج نطاق القانون والأخلاق. هذا المناخ، وفقاً لـ “أبعاد”، يسمح بصياغة استراتيجيات تفرض كلفاً بشرية واقتصادية جسيمة دون خوف من المحاسبة المؤسسية أو الضغط الشعبي.
ويبرز التقرير الفجوة المتزايدة بين أولويات الجمهور الأمريكي، المتمثلة في المعيشة والصحة، وبين توجهات النخب نحو تطبيع خطاب التصعيد العسكري. ويرى ياغي أن هذه الفجوة تسمح بمرور سياسات “التهور الاستراتيجي” التي قد تخدم مصالح ضيقة (مثل الحلفاء في إسرائيل) على حساب المصالح القومية الأمريكية، طالما أن النخب السياسية والإعلامية قادرة على الإفلات من تبعات سلوكها الإجرامي أو غير الأخلاقي.
ويخلص الباحث في دراسته لمركز “أبعاد” إلى أن “وهم السيطرة” يتغذى على تراجع منسوب المساءلة؛ فالتاريخ يثبت أن الردع يصمد عندما تكون التبعات موضع خشية حقيقية. أما اليوم، فإن خطر الحرب يكمن في شعور صانع القرار بالحصانة من العواقب، وهو ما يتطلب استعادة مبدأ المساءلة السياسية والوضوح في الرسائل الردعية لتجنب كارثة قد تشعل المنطقة بأكملها نتيجة قراءة خاطئة لواقع القوة وكلف الصراع.
- وحدها في قمرة القيادة.. كيف تعيد السعودية صياغة التوازنات اليمنية؟
- تحقيق حصري: صندوق عدن الأسود.. كيف سقطت إمبراطورية “أبو سعيد الإماراتي” في قبضة السيبرانية السعودية؟
- حصري- سقطرى.. ماذا وجد الفنيون السعوديون عقب “الطرد المفاجئ للإمارات”؟
The post دراسة لـ “أبعاد”: هل يقود سوء تقدير واشنطن لـ “ضبط النفس” الإيراني إلى مواجهة إقليمية؟ appeared first on يمن مونيتور.
Related News