وحدها في قمرة القيادة.. كيف تعيد السعودية صياغة التوازنات اليمنية؟
Civil
1 day ago
share

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

المصدر: معهد الشرق الأوسط

كثفت المملكة العربية السعودية جهودها لتوحيد وإعادة هيكلة القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، وذلك في أعقاب التوسع المتسارع والانهيار المفاجئ للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات، والذي تلا الانسحاب العسكري لأبو ظبي من البلاد. ورغم أن الدور القيادي للسعودية في اليمن بات الآن بلا منازع، إلا أن الرياض تواجه تحديات عسكرية وسياسية ملحة في ظل حالة من عدم اليقين الشديد تخيم على المنطقة ككل. وفي الوقت الراهن، لا تزال القوات المناهضة للحوثيين مشتتة، لكن الحكومة المعترف بها دولياً، وبدعم من الرياض، تعمل على استقطاب الجماعات التي كانت مدعومة سابقاً من الإمارات، والسعي لدمجها تحت قيادة وطنية موحدة. وفي يناير، أعلنت الرياض عن تشكيل “مؤتمر الحوار الجنوبي” الذي يهدف، بحسب تعبيرها، إلى جمع “كافة الفصائل الجنوبية لمناقشة حلول عادلة للقضية الجنوبية”، نظراً للطموحات الإقليمية طويلة الأمد بتقرير المصير والحكم الذاتي؛ غير أن هذا المنتدى الذي ترعاه السعودية لم يتم تنظيمه بعد.

وفي خضم هذا التغيير المتطور في ميزان القوى الداخلي في اليمن، لا يزال التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مرتفعاً، مع استمرار واشنطن في تعزيز حشودها العسكرية في المنطقة لممارسة الضغط على طهران في حال فشل محادثاتهما المستأنفة. وقد يؤدي اندلاع جولة جديدة من الأعمال العدائية بين الطرفين إلى تداعيات خطيرة على أمن الخليج بشكل عام وعلى اليمن بشكل خاص، بالنظر إلى الانحياز العسكري والأيديولوجي للحوثيين مع الجمهورية الإسلامية. وبناءً عليه، فمن المرجح أن تدفع هذه العوامل السعودية والحكومة اليمنية نحو “شراء الوقت” قبل اتخاذ قرار بشأن كيفية مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، مع التركيز على تنفيذ إصلاحات عسكرية جوهرية أولاً.

 

ما بعد حضرموت والمهرة: تغير موازين القوى في اليمن داخلياً وخارجياً

تغير التوازن السياسي العسكري في جنوب اليمن بسرعة خلال الأشهر القليلة الماضية. ففي أوائل ديسمبر 2025، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً على محافظتي حضرموت والمهرة الشرقيتين، منتزعةً إياهما من يد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وذلك تعزيزاً لطموحات الانفصال الجنوبي، مع إعلان خطط لتنظيم استفتاء على الاستقلال خلال عامين. وطالب مجلس القيادة الرئاسي — وهو الهيئة التنفيذية المكونة من ثمانية أعضاء والتي تمارس صلاحيات الرئاسة — والمملكة العربية السعودية الانفصاليين بالانسحاب، محملين أبو ظبي المسؤولية عن التقدم الميداني للمجلس الانتقالي. ونظرت المملكة، التي تشترك مع حضرموت في حدود يبلغ طولها نحو 700 كيلومتر، إلى تحركات المجلس الانتقالي بوصفها تهديداً للأمن القومي. واستمر تصاعد التوترات، وفي نهاية ديسمبر، استهدفت الرياض سفينتين إماراتيتين في ميناء المكلا الجنوبي، ترددت أنباء عن حملهما أسلحة للمجلس الانتقالي. ورفضت الإمارات هذه الادعاءات، لكنها تحركت لإنهاء مهمتها في مكافحة الإرهاب في اليمن وسحب ما تبقى من مستشاريها وعتادها العسكري.

إثر ذلك، أُجبر الانفصاليون على الانسحاب من المواقع التي سيطروا عليها، بما في ذلك المكلا وعدن، نتيجة لإنذارات نهائية من مجلس القيادة الرئاسي وضربات جوية شنتها الرياض. وفي أوائل يناير، نفذت القوات الحكومية وقوات التحالف بقيادة السعودية عملية لاستعادة السيطرة على المواقع العسكرية التي كان يسيطر عليها المجلس الانتقالي. وفر زعيم المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، الذي أقصاه مجلس القيادة الرئاسي واتهمه بالخيانة العظمى في أوائل يناير، من اليمن إلى الإمارات عبر أرض الصومال. وبعد اقتراح السعودية عقد مؤتمر للحوار الجنوبي في المملكة، أعلن المجلس الانتقالي عن حل نفسه، وانضم جناح منه إلى المحادثات الأولية في الرياض، إلا أن مسؤولين آخرين في المجلس لا يزالون في اليمن رفضوا هذه الخطوة، وخرج الآلاف في تظاهرات بعدن دعماً للحركة الانفصالية. وفي محاولة لتعزيز مؤسسات الدولة بعد أزمة حضرموت والمهرة، اختار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، رئيساً جديداً للوزراء، وأجرى تعديلاً وزارياً، وعيّن عضوين جديدين في المجلس الرئاسي لملء مقاعد المجلس الانتقالي الشاغرة؛ وهما الفريق محمود أحمد سالم الصبيحي، وزير الدفاع السابق الذي احتجزه الحوثيون كرهينة لثماني سنوات، وسالم أحمد سعيد الخنبشي، محافظ حضرموت الذي قاد عملية استعادة السيطرة على معسكرات المجلس الانتقالي في المحافظة. وتتويجاً لهذه الجهود، أعلن مجلس القيادة الرئاسي في 8 فبراير عن تشكيل حكومة جديدة موسعة تضم 35 وزيراً.

إعادة التنظيم العسكري: الجهود الأولية والمؤشرات المبكرة

على خلفية هذه الأحداث، بدأت سلسلة من القرارات اليمنية والسعودية، المنبثقة من التوازن العسكري والسياسي الجديد، في وضع معالم الإصلاح العسكري. ففي 10 يناير، أعلن الرئيس العليمي عن إنشاء اللجنة العسكرية العليا لإعادة تنظيم وتجهيز وقيادة كافة القوات العسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. ومع ذلك، لا تعمل هذه اللجنة تحت سلطة اليمن المباشرة، بل يشرف عليها التحالف بقيادة السعودية، وتحديداً الرياض، التي تتكفل أيضاً بدفع كافة الرواتب. وصرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي بأن السعودية سددت مستحقات “كافة التشكيلات العسكرية التي كانت مدعومة سابقاً من أبو ظبي”، بما في ذلك تمويل “عشرات الآلاف من مقاتلي المجلس الانتقالي” بعد الانسحاب الإماراتي، فضلاً عن قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني الراحل.

وبدأت القوات الموالية للحكومة في نقل المنشآت العسكرية إلى خارج المدن، مع تركيز استراتيجي ورمزي على عدن، العاصمة المؤقتة ومعقل المجلس الانتقالي السابق. وفي 20 يناير، سلمت ألوية العمالقة — وهي ميليشيا كانت مدعومة سابقاً من الإمارات وحولت ولاءها للسعودية خلال أزمة الشرق — معسكر “جبل حديد” في عدن للقوات الحكومية. ويتمثل الهدف في نزع السلاح تدريجياً من المراكز الحضرية، والإبقاء فقط على وحدات الشرطة وحماية المنشآت داخل المدينة.

 

شركاء الرياض: الصيغة السعودية الجديدة للقوة في اليمن

مع التراجعات الميدانية للمجلس الانتقالي وتقلص النفوذ الإماراتي، بدأت ملامح صيغة القوة السعودية في اليمن تتشكل، مما أثر على التعيينات السياسية وعملية الإصلاح العسكري. وتجمع الصيغة السعودية بين مجموعة من الجهات المتباينة: ميليشيا “قوات درع الوطن” المدعومة سعودياً، وفصائل قبلية مسلحة (خاصة من قبائل الصبيحة)، وعناصر سلفية مسلحة، وحزب الإصلاح وفصائله العسكرية. وفي هذا الإطار، قد تكون “ألوية العمالقة” — التي لم يختبر بعد مدى ولائها لراعيها السعودي الجديد — هي الورقة الرابحة التي تمنح الرياض اليد العليا في المشهد اليمني المعقد والمتقلب، نظراً لحجمها وخبرتها القتالية في مناطق مختلفة من البلاد.

لعبت قوات “درع الوطن” المدعومة سعودياً دوراً رئيسياً في السيطرة على أراضي المجلس الانتقالي وتأمينها في أوائل عام 2026. وهذه القوات التي أنشأتها السعودية عام 2022 وتدفع رواتبها مباشرة، أضفى عليها العليمي طابعاً رسمياً في عام 2023 كوحدة عسكرية احتياطية تحت قيادته المباشرة. وينحدر قادة هذه القوات من قبيلة “الصبيحة” في لحج (محافظة جنوبية قريبة من عدن)، كما ينتمي المقاتلون المنضوون فيها لمحافظات جنوبية أخرى، بينما يتألف فرع حضرموت في الغالب من أبناء المنطقة ومقاتلين من محافظة شبوة المجاورة.

ومن بين الفصائل القبلية المسلحة، يبدو أن قبيلة “الصبيحة” تلعب دوراً محورياً في الشبكة السعودية في اليمن، وهو دور يمتد إلى ما هو أبعد من قيادة “درع الوطن”؛ إذ أن أحد العضوين الجديدين في مجلس القيادة الرئاسي ينتمي للقبيلة، وكذلك العميد حمدي شكري الصبيحي، أحد قادة ألوية العمالقة الذي نجا مؤخراً من محاولة اغتيال في مدينة عدن، مما يؤكد تعقيد وتداخل الولاءات والانتماءات في اليمن.

كما يسجل السلفيون حضوراً متزايداً على كافة المستويات في قوات “درع الوطن” والقوات الأخرى المدعومة سعودياً. فقادة “درع الوطن” ينتمون لهذا التيار الديني السني المحافظ، وقد جندوا رجال قبائل من ذوي التوجهات المشابهة. وفي حضرموت، أفادت تقارير بأن “درع الوطن” أنشأت “قواعد كبرى للتدريب العسكري والتعبئة السلفية”. وقبل تصعيد المجلس الانتقالي في أواخر عام 2025، كانت “درع الوطن” تستقطب بالفعل مقاتلين سلفيين من قوات الحزام الأمني المدعومة إماراتياً في عدن وأبين، ومن ألوية العمالقة، عبر توفير رواتب نقدية أعلى وبانتظام أكثر من منافسيهم المدعومين إماراتياً، وهو عكس التوجه الذي كان سائداً قبل سنوات قليلة.

أما حزب الإصلاح، الذي يضم أعضاءً من الإخوان المسلمين والسلفيين، فيظل تحت نفوذ سعودي ثقيل، ويتمتع بتمثيل زائد في الجيش، رغم إضعافه بشكل كبير مقارنة بفترة ما قبل الحرب.

 

ألوية العمالقة: قوة تحول في يد السعوديين؟

تظل “ألوية العمالقة”، البالغ قوامها 30 ألف مقاتل، هي اللاعب الذي قد يغير قواعد اللعبة لصالح السعودية في الجنوب، بعد انضمامها التدريجي للمعسكر السعودي عقب الانسحاب الإماراتي الكامل. برزت هذه المجموعة من المقاومة ضد الحوثيين في عدن، وغالباً ما تم نشرها لصدهم. والعمالقة، المكونة من مقاتلين قبليين وسلفيين ينحدر معظمهم من منطقة “يافع” في أبين جنوب غرب اليمن، لا تتبع جيش الحكومة المعترف بها دولياً، بل ترتبط بالقيادة المشتركة بالساحل الغربي التي يقودها طارق صالح ومقرها في المخا بالقرب من مضيق باب المندب.

ويقود ألوية العمالقة عبد الرحمن المحرمي (الملقب بـ “أبو زرعة”)، وهو سلفي من يافع درس في معهد دماج الديني. يشغل المحرمي عضوية مجلس القيادة الرئاسي منذ عام 2022، وعُين نائباً لرئيس المجلس الانتقالي في عام 2023؛ وكما يشير هذا الارتباط الأخير، فقد كان سابقاً أقرب لأبو ظبي منه للرياض. وفي الأسابيع الأولى للأزمة الأخيرة في شرق اليمن، وقع وثيقة مع رئيس المجلس الانتقالي الزبيدي تندد بـ “القرارات الأحادية” للرئيس العليمي، لكنه سافر لاحقاً إلى الرياض للقاء وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وكلفته في النهاية قوات “درع الوطن” المدعومة سعودياً بالإشراف على الأمن في عدن، مما يؤكد تحوله السياسي.

 

تحديات الإصلاح العسكري بقيادة السعودية: العامل المحلي

على هذا النحو، لا تقوم الأسس الجديدة للقوة السعودية في اليمن على الجيش أو وزارة الدفاع، بل على جماعات مسلحة تتبع إما رئيس مجلس القيادة الرئاسي (مثل درع الوطن) أو القيادة المشتركة لطارق صالح (مثل ألوية العمالقة).

وكانت الجماعات التي دعمتها الإمارات حتى أوائل عام 2026 تتألف بشكل أساسي من قدامى المحاربين والمتعاطفين مع “اليمن الجنوبي” السابق، وتم توظيفهم وفقاً لمعايير مناطقية، مع ضم السلفيين أيضاً. وفي الواقع، فإن جميع القوات التي جندتها ودربتها ومولتها الإمارات في المناطق الجنوبية نظمت على أساس محلي، مثل قوات الحزام الأمني في عدن وأبين، وقوات النخبة في شبوة وحضرموت. ومن ثم، فإن أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها اللجنة العسكرية العليا بقيادة السعودية لا يقتصر على دمج الجماعات المسلحة في الجيش، بل يمتد تحديداً إلى دمج الجماعات المناطقية التي كانت مدعومة إماراتياً تحت تسلسل قيادي وطني. لهذا السبب، ترتبط تحديات الإصلاح العسكري بشكل وثيق بنتائج مؤتمر الحوار الجنوبي؛ فالرياض ومجلس القيادة الرئاسي سيمتلكان فرصة أكبر لإخضاع الجماعات السابقة المدعومة إماراتياً لسيطرتهما إذا كان المؤتمر شاملاً وموجهاً نحو أهداف محددة، مثل وضع أفق واقعي لمعالجة القضية الجنوبية. وتبرز التطورات الأخيرة في شبوة — حيث حاول مئات المتظاهرين الموالين للمجلس الانتقالي السيطرة على مقر المحافظة في 11 فبراير مما أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 23 — وفي عدن — حيث قُتل شخص أثناء محاولة متظاهرين اقتحام بوابات القصر الرئاسي في 20 فبراير عقب عقد الحكومة الجديدة أولى جلساتها — مدى أهمية العامل المحلي في المشهد الذي تعمل فيه السعودية الآن.

وعند إعلانه عن إنشاء اللجنة العسكرية العليا، صرح الرئيس العليمي بأن هذه الهيئة ستدعم أيضاً “جاهزية” الجيش “للمرحلة المقبلة في حال رفضت الميليشيات الحلول السلمية”، وهو تحذير موجه للحوثيين، وأيضاً للفصائل السابقة التابعة للمجلس الانتقالي في حال غلبت الخلافات السياسية في المؤتمر.

وفي اليمن كما في غيره، لا يعني الدمج الرسمي للجماعات المسلحة بالضرورة فرض سيطرة حقيقية من قبل الدولة. فعلى سبيل المثال، كانت قوات النخبة الحضرمية المدعومة إماراتياً جزءاً رسمياً من الجيش تحت قيادة المنطقة العسكرية الثانية منذ عام 2017، ومع ذلك استمرت في الانصياع لأبو ظبي والمجلس الانتقالي بالدرجة الأولى. لذلك، قد ترى الرياض الآن في أشكال أخرى من الاستقطاب، مثل دفع الرواتب بانتظام وتقديم الرعاية القبلية، وسائل مكملة وربما أكثر فعالية لضمان الولاء من مجرد “الشرعنة” القانونية بحد ذاتها، في سعيها لبناء تحالفات طويلة الأمد في المناطق الجنوبية.

وفي هذا المسعى، سيتعين على السعودية إيلاء اهتمام خاص لحضرموت؛ فالمحافظة التي تحد المملكة وتضم 80% من موارد النفط والغاز في اليمن، تمتلك تاريخياً هوية محلية قوية وتطلعات للحكم الذاتي عن الحكومة المركزية. وهذه التطلعات لا تتقاطع بالضرورة مع فكرة “دولة الجنوب” بحدود ما قبل عام 1990، حيث يسعى العديد من أبناء المنطقة لاستقلال حضرموت الخاص. وفي يناير 2026، رفض حلف قبائل حضرموت — وهو إطار للقبائل المحلية يسعى للحكم الذاتي — الانضمام للحكومة المدعومة سعودياً ما لم تُعامل حضرموت كطرف جغرافي ثالث إلى جانب الشمال والجنوب.

ويعد حلف قبائل حضرموت لاعباً رئيسياً في ميزان القوى المحلي. زعيمه السابق هو عمرو بن حبريش، الذي دعمت قواته معركة مجلس القيادة الرئاسي ضد المجلس الانتقالي في المحافظة واقتربت من الرياض منذ عام 2024؛ وفي الوقت نفسه، فإن بعض المقاتلين الذين انضموا للقوات المدعومة إماراتياً في حضرموت هم جزء من الحلف. بناءً عليه، سيكون دعم الحلف مفيداً للحكومة ومسهلاً لعملية إعادة التنظيم العسكري الشاملة بقيادة السعودية.

 

الحاجة إلى جبهة حكومية متماسكة

ضمن هذا الإطار المعقد، يجب على القوات الحكومية اليمنية تحديد موقفها تجاه الحوثيين الذين لا يزالون يسيطرون على معظم شمال غرب البلاد. وبطبيعة الحال، سيعتمد الكثير على الخيارات الاستراتيجية للسعودية. ففي ظل المفاضلة بين استئناف محادثات وقف إطلاق النار مع الجماعة المدعومة إيرانياً، أو إطلاق هجوم عسكري جديد لاستعادة ميناء الحديدة و/أو العاصمة صنعاء، يرجح أن تعمد الرياض إلى كسب الوقت لثلاثة أسباب:

أولاً: التشرذم العسكري؛ فالقوات اليمنية المناهضة للحوثيين لا تزال بعيدة عن تشكيل جبهة متماسكة رغم الانسحاب الإماراتي. وقد تتمكن الرياض من توحيد هذه الجماعات بمرور الوقت، لكن خلافاتها تظل إشكالية في الحاضر.

ثانياً، وهو الأهم: العوامل المسؤولة عن حالة الشتات العسكري لن تُحل بالدمج العسكري وحده، بل تتطلب خطوات سياسية ملموسة. وفي هذا الصدد، يمثل مؤتمر الحوار الجنوبي الذي اقترحته الرياض اختباراً استراتيجياً للمملكة؛ فمن اختيار المشاركين إلى صياغة البيان الختامي المشترك، سيحدد المؤتمر مدى قدرة السعوديين على تعزيز نفوذهم بين الجماعات السابقة المدعومة إماراتياً، أو ما إذا كانت قيادتهم ستحقق نتائج أقل من المتوقع، مما يترك مجالاً للمخربين والمشاريع السياسية الجنوبية البديلة.

السبب الثالث الذي يدفع السعودية لكسب الوقت هو السيناريو الإقليمي غير المستقر. فمع تصاعد التوترات واحتمال توجيه ضربات أمريكية و/أو إسرائيلية جديدة لإيران، يرجح أن ترغب الرياض في الامتناع عن اتخاذ خيارات كبرى في اليمن في المدى القريب. وطالما ظل احتمال نشوب صراع تشارك فيه طهران قائماً، فمن المفترض أن تعطي السعودية الأولوية للدفاع الوطني وأمن الحدود، بما في ذلك الحدود مع اليمن، لمنع أو تقليل الهجمات الانتقامية من قبل الحوثيين المتحالفين مع إيران ضد المملكة أو الملاحة في البحر الأحمر.

 

إعادة الهيكلة وسط العمليات: مخاطر مكافحة الإرهاب والتهريب

أخيراً، يجب ألا تؤدي إعادة الهيكلة العسكرية في اليمن إلى إبطاء أو تعقيد عمليات مكافحة الإرهاب والتهريب، وهذا يمثل اختباراً كبيراً للسعودية. وبالنسبة للشركاء الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فإن انسحاب المستشارين العسكريين وعناصر الاستخبارات الإماراتيين وقواتهم الحليفة قد غير “المعادلة الأمنية” التي نجحت لعقد من الزمن. فقد أتاحت المهمة الإماراتية ودعم الجماعات المسلحة المحلية في جنوب اليمن للشركاء اليمنيين والخليجيين والغربيين تفكيك المعاقل الساحلية لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، مثل معقل المكلا، مع منع تمدد التنظيم في الملاذات الآمنة في الداخل. ومنذ عام 2015، أثبت نموذج مكافحة الإرهاب الإماراتي فعاليته بفضل مزيج من التنظيم الميداني والتخطيط الاستراتيجي والقدرات العسكرية ونهج الشراكة مع القوات المحلية لضمان القبول المجتمعي والنتائج طويلة الأمد.

في هذا السياق، لا تزال قدرات “درع الوطن” المدعومة سعودياً في عمليات مكافحة الإرهاب بحاجة للاختبار. وقد وقع أول هجوم مباشر لتنظيم القاعدة ضد قوات “درع الوطن” في منطقة “العبر” بالقرب من الحدود بين حضرموت والسعودية في فبراير 2025. علاوة على ذلك، يأتي التغيير في التوازن العسكري في وقت يظهر فيه الحوثيون، وفقاً للأمم المتحدة، مؤشرات على “زيادة التعاون” مع تنظيم القاعدة و”تكثيف” التنسيق مع حركة الشباب. وتشكل هذه المتغيرات عاملاً مزعزعاً للاستقرار للأمن الإقليمي والبحري على المدى المتوسط إلى الطويل، وتتطلب مراقبة دقيقة.

وإلى جانب مكافحة الإرهاب، لعبت القوات المدعومة إماراتياً دوراً رئيسياً في أنشطة مكافحة التهريب. ومنذ أوائل عام 2025، نجح خفر السواحل اليمني والقوات التابعة له في اعتراض عدد أكبر بكثير من سفن الشحن والقوارب التي تحمل إمدادات عسكرية غير قانونية من إيران إلى الحوثيين، حيث ضبطت قوات طارق صالح أكثر من 750 طناً من الذخائر والمعدات الإيرانية في يوليو 2025 وحده. في اليمن، أصبح مكافحة الإرهاب ومكافحة التهريب وجهين لاستراتيجية أمنية واحدة تهدف لمواجهة الحوثيين والقاعدة دعماً لاستقرار اليمن والأمن الإقليمي الأوسع.

وبينما تحاول الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إعادة تنظيم الجيش ودمج الوحدات المتباينة تحت هيكل قيادي مشترك، ستحتاج المملكة العربية السعودية — التي تقف الآن وحدها في مقعد القيادة — إلى معالجة تحديات اليمن العسكرية المزمنة والمستجدة إذا ما أرادت ترسيخ نفوذها وتحصين أمنها الخاص.

كتبت التحليل: إيليونورا أرديماني، محللة متخصصة في شؤون اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي، وباحثة زميلة أقدم في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI).

The post وحدها في قمرة القيادة.. كيف تعيد السعودية صياغة التوازنات اليمنية؟ appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows