"القيصر: لا مكان لا زمان"... كما لو أن الذاكرة مسرح للتجارب
Arab
2 hours ago
share
يطرح مسلسل "القيصر: لا مكان لا زمان" للمخرج صفوان نعمو (يُعرض على منصة شاشا الكويتية ضمن الموسم الرمضاني الحالي) سجالاً أخلاقياً حاداً حول الحدود بين المأساة بصفتها ذاكرة حية، وإعادة إنتاجها بوصفها مواد ترفيهية استهلاكية تعرض للجمهور بهدف تسليتهم في أوقات الصيام. المسلسل الذي يعرض من خلال ثلاثيات درامية قصصاً مستقاة من حكايات واقعية لمعتقلين ومغيبين قسراً في سجون نظام بشار الأسد، يستخدم اسم قيصر، وهو الاسم الحركي لفريد المذهان الذي سرّب ما يقرب من 55 ألف صورة مروعة لضحايا التعذيب في سجون النظام السوري السابق. يرتبط اسم قيصر مباشرةً بضحايا السجون العسكرية والأفرع الأمنية خلال عامي 2011 و2013، وفجيعة الأسر التي علمت بمقتل أبنائها من خلال هذه الصور، من دون أن يستلموا رفاتاً أو وثائق رسمية للوفاة. أي أن هذا الملف هو مأساة وطنية، ويمثل نكبة مئات الألوف من ذوي الشهداء، وما يبدو أكثر فجاجة اختزال هذه الآلام في حبكات درامية مكثفة وشخصيات مسطحة كاريكاتيرية، منطوقها يتأرجح بين ثنائيتين حادتين، ويعيد توظيف كليشيهات ممجوجة بحوارات ثرثارة مع موسيقى تصويرية تزج المشاهد في مناخ من التوتر لا يحتاجه منطق العمل. حتى على مستوى الصناعة الدرامية البحتة، لا يبدو أن المسلسل يملك ما يراهن عليه سوى القضية نفسها، كما لو أن المأساة تقوم مقام الحبكة، وكأن اسم القيصر يكفي ليمنح العمل ثقله الأخلاقي والفني دفعة واحدة. لكن، حين نُبعد العنوان وننظر إلى البناء، نجد معالجات ركيكة، وتكراراً للمواقف، واستسهالاً في إعادة تمثيل المأساة أمام جمهور عاش التجربة ولم يخرج منها بعد، فالعمل يتكئ على أكثر القضايا السورية الراهنة حساسية وإيلاماً. للمفارقة، فإن هذه المبالغة الدرامية قد تفرغ الفاجعة من ثقلها، وتبدو منظومة الإذلال في السجون كما لو أنها أساطير تضخم الواقع، إذ يغالي العمل بتجريد عناصر القضية؛ فيعرض جميع الجلادين وعناصر فروع الأمن كما لو أنهم شخصية واحدة وتُمنح الضحية خطاباً مثالياً يسلبها هشاشتها البشرية وانكساراتها. القضية ليست أحقية الفن في تناول مأساة المجتمع، فالفن في النهاية هو أحد أشكال الذاكرة، ولكن ثمة فرق بين تفكيك الذاكرة وإعادة تصنيعها، وبين عمل يغامر ليقترب من المأساة ويعالجها بحذر، وآخر يستثمر المأساة بصفتها مادة جاهزة من دون حاجة إلى تقييم حساسيتها الزمنية أو فجاجة مشاهدها. بهذا، فإن سياق العمل يزيد المعضلة الأخلاقية حدّة، بدءاً من أن أكثر من 112 ألف مغيب، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ما زالوا مجهولي المصير، إلى أن ملف العدالة الانتقالية لا يزال معلقاً، وصولاً إلى القضايا الثانوية التي يسهل أن تصبح مادة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي التاريخ السياسي لممثلين سبق لهم الصمت أو حتى المشاركة في أعمال تبنت سردية النظام السابق، وامتد النقاش ليصل إلى كاتب كلمات شارة المسلسل التي أدتها أصالة نصري، وهو حسان زيود، الذي سبق وكتب أغنية في عام 2014 يمجد فيها النظام السابق. لكن السؤال الأساسي: متى يُستعاد سرد قضايا بهذا الحجم؟ وأي منطق يحكم هذه الاستعادة؟ في هذا السياق، تصبح أي معالجة درامية قفزة فوق سؤال العدالة. السجال الذي أثاره مسلسل "قيصر" لا يحمّل الدراما فوق ما تحتمل، فالأعمال الدرامية ليست معفاة من السؤال الأخلاقي، ولا سيما أن الشريحة المعنية بهذه القضية لم تشف جراحها بعد، وثمة مبادئ أخلاقية واضحة في توثيق العنف الجماعي، تنطبق أيضاً على الصحافة والأفلام الوثائقية، من بينها مبدأ عدم الإيذاء، أي عدم عرض مادة يمكن أن تضر الضحايا أو ذويهم، وتجنّب "الإباحية العنفية"، التي تنطوي على تحويل الألم إلى استعراض بصري، فالدراما في هذه الحالة تقتحم مساحة يسكنها بشر حقيقيون، وليست شخصيات متخيلة، وتتعامل مع الذاكرة كما لو أنها مسرح للتجارب، متجاهلة النسيج الهش في الوقت الراهن، بينما المجتمع لا يزال في طور مواجهة هذه الفواجع. في هذا السياق، أصدرت رابطة عائلات قيصر، منذ أيام، بياناً أعربت فيه عن رفضها القاطع لمسلسل "القيصر: لا مكان لا زمان" معتبرةً أن دماء الضحايا ومآسي المعتقلين ليست مادة للترفيه أو للإنتاج الفني التجاري. جاء في البيان: "إن جراحنا التي لا تزال تنزف ليست حبراً لسيناريوهات تجارية، وأنين أبنائنا ليس مادة للتداول الفني". طالبت الرابطة بعدم عرض أي عمل يتناول قضية المعتقلين قبل كشف الحقيقة كاملة، وتحديد أماكن الدفن، وتسليم الرفات إلى ذويها بكرامة. وبعد أن شاعت أقاويل عن إيقاف المسلسل، بعد عرض الحلقات الأولى وتفاعل الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي، مع احتجاجات من رابطة عائلات قيصر وأوساط شعبية اعتبرت أن العمل لا يعكس عمق المأساة ولا يحترم ذاكرة الضحايا. دُحض الادعاء القائل بوجود قرار رسمي لإيقاف المسلسل نهائياً. نفى مسؤول العلاقات العامة في اللجنة الوطنية للدراما في سورية، دلامة علي، صحة الأخبار المتداولة حول تعليق تصوير المسلسل أو منع عرضه، مؤكداً أن اللجنة لم تتخذ أي قرار بهذا الشأن. وأوضح أن شركة الإنتاج لم تتمكن من بيع العمل إلا لمنصة واحدة، وأنها اشترت أول ست حلقات فقط، مع احتمال أن تكتمل الصفقة عند عرض الحلقة السابعة. فيما قال المخرج صفوان نعمو لـ"العربي الجديد" إن العرض مستمر، نافياً إبلاغهم فرق العمل بوقف عرض المسلسل من منصة شاشا الكويتية، ونفى صحة الأخبار المتداولة حول إيقاف عمليات التصوير، مؤكداً أن تصوير العمل انتهى منذ فترة، وأن المخرج وشركة الإنتاج قرّرا تغيير اسم العمل إلى "سجون الشيطان".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows