Arab
إذا كانت معالم هزيمة حزب اللّه أمام العدو الإسرائيلي من جرّاء "حرب الإسناد" فاقعة غالبًا، إلا أنّه يغيب عن الكثيرين من خصومه، ومن مؤيديه، على حدّ سواء، في لبنان، أنّ الأخير قد حقّق، بعد واحد وعشرين عاما منذ ضلوع عناصر من هذا التنظيم باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري (بحسب قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان)، نصرًا من نوع آخر في الداخل اللبناني وعليه. وهذا ليس لأنّ هذا التنظيم المُسلّح فرض سيطرته تدريجيًا خلال العقدين المنصرمين على مفاصل الدولة اللبنانية وهيمن على قرار البلد. فهذا أمر يتم تدريجيًا الحدّ منه وتحجيمه نوعًا ما، ولو ليس بالقدر المأمول، وذلك بعد وصول العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية والقاضي الدولي نوّاف سلام إلى رئاسة الحكومة، وعلى وقع الهزيمة العسكرية التي مُني بها هذا التنظيم، الذي تسيطر عليه إيران، في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. بل إنّ الانتصار الأكيد والمُحقّق الذي نعنيه يكمن في أنّ حزب الله نجح في جعل كثير من خصومه في لبنان على صورته: تحريض على الكراهية، تشرّب نزعة ثأر سياسي وطائفي، غرق في تحريض مقابل تحريض. هنا يكمن انتصار حزب اللّه الأكبر، تحديدًا في هذا السقوط الحضاري والثقافي والأخلاقي المهول والمدوّي للبنان.
في بداياتها، كانت حركة 14 آذار، التي تشكّلت بُعيد اغتيال الحريري، صورة لبنانية مناقضة تمامًا لمعسكر "8 آذار"، ولا سيما لحزب اللّه الذي يتزّعمه. كان المثقف القادم من هذا التجمّع السياسي يتكلّم بأدبيات ثقافة العدالة لا الثأر، السلم لا الاحتراب، العقل لا الغرائز والتحريض، الوحدة الوطنية لا الانقسام، المحافظة على الاستقرار والانتظام العام لا زعزعتهما. كانت أدبيات السياديين هي قسَم جبران تويني حول أن يبقى اللبنانيون موحّدين، ورفض سمير قصير للعنصرية وكراهية الغريب، ومناهضة سمير فرنجية للعنف الهُويّاتي (بما في ذلك الخطابي). كان الخطاب السائد ضمن مثقفي 14 آذار يشدّد على أهمية الابتعاد عن الفئوية، وعن عبادة القوّة من قبل الجميع (حزب اللّه وخصومه)، ونبذ الحرب الأهلية، والالتزام بهامش حرية معيّن تجاه الخارج، والتمسّك بالموضوعية الإعلامية، وبالحوار مع الخصوم، والانفتاح على الرأي الآخر.
اليوم، أصبحت هذه العناوين الحضارية الثقافية تُعتبر مؤشّرات "ضعف" بوجه حزب اللّه، وأصبحت مرفوضة في الأوساط المُناوئة له، وأصبح المطلوب خطاب مانوي، حاد بفئويته وباستقطابيته، وأصبح السائد خطاب مُتشنّج وخطاب تحريضي وخطاب كراهية وخطاب ثأر وتشفٍّ وإقصاء، وخطاب تبعية عمياء للخارج وصل بكثيرين إلى حدّ التناغم مع إملاء خارجي بحظر ممارسة العمل السياسي في لبنان على تيار سياسي لبناني ورئيسه؛ أي أصبح المطلوب في مواجهة حزب اللّه خطاب هو صورة طبق الأصل عن خطاب هذا التنظيم وأبواقه.
خطاب مُتشنّج وخطاب تحريضي وخطاب كراهية وخطاب ثأر وتشفٍّ وإقصاء
لديك اليوم في لبنان من يبرّرون لإسرائيل عدم التزامها بوقف النار (ولا بالانسحاب الكامل إلى جنوب الخط الأزرق) الوارد على رأس اتفاق وقف الأعمال العدائية، ويقلّلون من فداحة ما تقوم به إسرائيل من انتهاك لاتفاق وقف الأعمال العدائية، ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وللقانون الدولي، ولسيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، مُراهنين بالوقت نفسه على عدوان موسّع جديد على لبنان "يخلّصهم" من حزب اللّه، الذي من جانبه ما زال يُكابر رافضًا حصر السلاح بيد الدولة، ومتوعّدًا إسرائيل في حال توجيه ضربة لإيران. ولديك من يمجّدون القوّة الأميركية بوجه القانون الدولي: يتغزّلون ببوارجها التي تحشدها، ويتهيّجون أمام صواريخها، ويُثارون بمقاتلاتها الحربية، وينتظرون بفارغ الصبر جولة عنف جديدة يأمر بها دونالد ترامب، وذلك تشفيًا منهم بمحور إيران المُتهالك في الإقليم.
ولديك في لبنان من عادوا في مواجهة حزب اللّه إلى نغمة اعتبار أنّ سورية وطنهم الأمّ، وأنّهم ينتمون إلى أحد الأقاليم الأربعة "المبتورة" عنها عند تأسيس دولة لبنان الكبير قبل 106 سنوات، وإلى الغمز من ناحية الانسلاخ عن لبنان والانضمام إلى سورية، وذلك بعد أن كان سنّة لبنان قد تخلوا عن هذه الأدبيات. في الحقيقة، يتوهّم هؤلاء أنّ مبدأ السلامة الإقليمية (intégrité territoriale) للدول مجرّد أمر ثانوي يستسهله المجتمع الدولي وخصوصًا الدول العربية، وأنه لا يثير قلقها من مفعول دومينو لديها، ولذلك غالبًا سيُصابون بخيبة أمل شبيهة بتلك التي أصابت قوات سوريا الديمقراطية وستصيب غيرها في سورية، خصوصًا أنّ سنّة لبنان ليسوا "أقلية" في لبنان: فليراجعوا قليلًا شروط الحقّ بتقرير المصير في القانون الدولي. أما إذا كانوا يظنون أنّهم بالتهديد بالانفصال عن لبنان يحسّنون شروط تفاوض سنّة لبنان على مكاسب في الصيغة القائمة ولتحصيل بعض الحقوق المهدورة، فهم واهمون أيضًا، وسيزيدون الضرر اللاحق بسنّة لبنان الذين سيُعتبرون عندئذ خونة لوطنهم لبنان. هذا نزق وتهوّر وشغل هواة.
هناك من يراهن في لبنان على عدوان موسّع جديد على لبنان "يخلّصهم" من حزب اللّه
ولديك، بدلًا من أن يعلو صوت العقل ورباطة الجأش على حميّة الغضب المشروع، وأن تتم المطالبة بتحقيق العدالة ووضع حدّ للإفلات من العقاب، من يقومون باستغلال ذكرى استشهاد رفيق الحريري للنفخ على جمر الكراهية، وتحويل الذاكرة إلى مادة لتسعير نيران الضغائن وتأجيج الأحقاد، والاستفزاز للاستفزاز، والتحريض ضمنيًا على الثأر، وتصفية الحسابات الطائفية بكثير من الديماغوجية والمزايدات الشعبوية، وإغفال لسياق الأحداث التاريخية وتعقيدات الواقع، ولا سيما الموازين الإقليمية والدولية التي رافقت إقرار محكمة الحريري وحدّت من اختصاصها بما يتعلّق بالكيانات، مُغيّبين من مقاربتهم كليًا مفهوم المصلحة الوطنية، الذي يجهلونه غالبًا، مشوّهين العدالة بذهنية طور ما قبل العقد الاجتماعي والدولة (مراجعة توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو)، أي طور الثأر والتشفي والانتقام، مُقتربين أكثر، ويومًا بعد يوم، من عقلية الجلاد الذي اغتال رفيق الحريري وما زال رافضًا للدولة وللاعتراف بقيامه باغتيال الحريري.
ولديك جماعة الصفاء العرقي، أصحاب أطروحة كانتونات الفيديرالية على أساس طائفي باعتبارها مقدّمة للتقسيم، الذين عادوا بالسيادية إلى قوقعة الحرب الأهلية وأدبياتها الهُويّاتية، بعد أن كانت قد أخرجتها منها 14 آذار إلى رحاب الوطنية الجامعة بين المسلمين والمسيحيين؛ وهم بذلك يقدّمون أكبر خدمة لتنظيم هُويّاتي للنخاع مثل حزب اللّه.
ولديك خصوصًا مِن خصوم حزب اللّه مَن يتشاركون في أغلب آفات التطرّف المذكورة آنفا، وحتى بغيرها أيضا. يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: "عند قتال الوحوش، احذر أن تتحوّل إلى وحش مثلها. فإذا حدّقت مطولًا في الهاوية، ستحدق الهاوية فيك لا محالة". اليوم، غالبًا أصبح خصوم حزب اللّه من حقبة ما بعد 14 آذار وحوشًا مثله، أقلّه بخطابهم المُفعم بالكراهية والضغائن والفئوية والتعصّب الطائفي ونزعة الثأر والتبعية العمياء للخارج. وهذا أكبر انتصار لحزب اللّه. بعد واحد وعشرين عامًا من اغتيال الحريري، لبنان في الحضيض، لأنّ حزب اللّه استطاع تحويل كثير من خصومه إلى صورة عنه، وهذا أمر ستطلّب معالجته سنوات وسنوات.
لبنان يستحق أفضل من هذا النموذج برأسيه.
Related News
خيسوس: أثق بعودة جواو للتهديف
aawsat
4 minutes ago
«سامسونغ» تطلق هاتف «غالاكسي إس26»... ما أبرز مميزاته؟
aawsat
5 minutes ago
إيمانويل: فخور بلاعبي الفيحاء
aawsat
5 minutes ago